تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : * ( تعرفهم بسيماهم ) * قال : السيما : رثاثة ثيابهم ، والجوع خفي على الناس ، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها تخفى على الناس . وأول الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله عز وجل أخبر نبيه ( ص ) أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم . وإنما كان النبي ( ص ) يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان ، فيعرفهم وأصحابه بها ، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة . وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم ، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضر ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب ، وأن تكون كانت جميع ذلك ، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الانسان ، ويعلم أنها من الحاجة والضر بالمعاينة دون الوصف ، وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظير آثار المجهود من الفاقة والحاجة ، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثياب الرثة ، فيتزيا بزي أهل الحاجة ، فلا يكون في شئ من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختل ذو فاقة ، وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه ، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لا يسألون الناس إلحافا ) * . يقال : قد ألحف السائل في مسألته إذا ألح فهو يلحف فيها إلحافا . فإن قال قائل : أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف ؟ قيل : غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة ، إلحافا أو غير إلحاف ، وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف ، وأنهم إنما كانوا يعرفون بسيماهم ، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفف ، ولم يكن بالنبي ( ص ) إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة ، وكانت المسألة الظاهرة تنبئ عن حالهم وأمرهم . وفي الخبر الذي : حدثنا به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن هلال بن حصن ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أعوزنا مرة فقيل لي : لو أتيت رسول الله ( ص ) فسألته . فانطلقت إليه معنقا ، فكان أول ما واجهني به : من استعف أعفه الله ، ومن استغنى