تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
الذي دل على أن ذلك منسوخ ؟ فإن زعم أنه يعني بقوله : إنه منسوخ أن اخراج العفو من المال غير لازم فرضا ، وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة في المال قيل له : وما الدليل على أن اخراج العفو كان فرضا ، فأسقطه فرض الزكاة ؟ ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضا ، إذ لم يكن أمر من الله عز ذكره ، بل فيها الدلالة على أنها جواب ما سأل عنه القوم على وجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات ، ولا سبيل لمدعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادعى . وأما القراء فإنهم اختلفوا في قراءة العفو ، فقرأته عامة قراء الحجاز وقراء الحرمين وعظم قراء الكوفيين : قل العفو نصبا ، وقرأه بعض قراء البصريين : قل العفو رفعا . فمن قرأه نصبا جعل ماذا حرفا واحدا ، ونصبه بقوله : ينفقون على ما قد بينت قبل ، ثم نصب العفو على ذلك فيكون معنى الكلام حينئذ : ويسألونك أي شئ ينفقون ؟ ومن قرأه رفعا جعل ما من صلة ذا ورفعوا العفو فيكون معنى الكلام حينئذ : ما الذي ينفقون ، قل الذي ينفقون العفو . ولو نصب العفو ، ثم جعل ماذا حرفين بمعنى : يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل ينفقون العفو ، ورفع الذين جعلوا ماذا حرفا واحدا بمعنى : ما ينفقون ؟ قل الذي ينفقون خبرا كان صوابا صحيحا في العربية . وبأي القراءتين قرئ ذلك عندي صواب لتقارب معنييهما مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما . غير أن أعجب القراءتين إلي وإن كان الامر كذلك قراءة من قرأه بالنصب ، لان من قرأ به من القراء أكثر وهو أعرف وأشهر . القول في تأويل قوله تعالى : كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة . يعني بقول عز ذكره : كذلك يبين الله لكم الآيات هكذا يبين أي كما بينت لكم أعلامي وحججي ، وهي آياته في هذه السورة ، وعرفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي ، وبينت لكم حدودي وفرائضي ، ونبهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي ، ثم على حجج رسولي إليكم ، فأرشدتكم إلى ظهور الهدى ، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبيي محمد ( ص ) آياتي وحججي ، وأوضحها لكم لتتفكروا في وعدي ووعيدي وثوابي وعقابي ، فتجاوزوا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة ، والفوز بنعيم الأبد