تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
وأولى هذه الأقوال في قوله ولا جدال في الحج بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : قد بطل الجدال في الحج ووقته ، واستقام أمره ووقته على وقت واحد ، ومناسك متفقة غير مختلفة ، ولا تنازع فيه ولا مراء وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات ، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه . وإنما اخترنا هذا التأويل في ذلك ورأيناه أولى بالصواب مما خالفه لما قد قدمنا من البيان آنفا في تأويل قوله : ولا فسوق أنه غير جائز أن يكون الله خص بالنهي عنه في تلك الحال إلا ما هو مطلق مباح في الحال التي يخالفها ، وهي حال الاحلال وذلك أن حكم ما خص به من ذلك حكم حال الاحرام إن كان سواء فيه حال الاحرام وحال الاحلال ، فلا وجه لخصوصه به حالا دون حال ، وقد عم به جميع الأحوال . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان لا معنى لقول القائل في تأويل قوله : ولا جدال في الحج أن تأويله : لا تمار صاحبك حتى تغضبه ، إلا أحد معنيين : إما أن يكون أراد لا تماره بباطل حتى تغضبه . فذلك ما لا وجه له ، لان الله عز وجل قد نهي عن المراء بالباطل في كل حال محرما كان المماري أو محلا ، فلا وجه لخصوص حال الاحرام بالنهي عنه لاستواء حال الاحرام والاحلال في نهى الله عنه . أو يكون أراد : لا تماره بالحق ، وذلك أيضا ما لا وجه له لان المحرم لو رأى رجلا يروم فاحشة كان الواجب عليه مراءه في دفعه عنها ، أو رآه يحاول ظلمه والذهاب منه بحق له قد غصبه عليه كان عليه مراؤه فيه وجداله حتى يتخلصه منه . والجدال والمراء لا يكون بين الناس إلا من أحد وجهين : إما من قبل ظلم ، وإما من قبل حق ، فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال ، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال ، فأي وجوهه التي خص بالنهي عنه حال الاحرام ؟ وكذلك لا وجه لقول من تأول ذلك أنه بمعنى السباب ، لان الله تعالى ذكره قد نهى المؤمنين بعضهم عن سباب بعض على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام في كل حال ، فقال ( ص ) : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر فإذا كان المسلم عن سب المسلم منهيا في كل حال من أحواله ، محرما كان أو غير محرم ، فلا وجه لان يقال : لا تسبه في حال الاحرام إذا أحرمت .