تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالقراءة من القراءات المخالفة بين إعراب الجدال وإعراب الرفث والفسوق ، ليعلم سامع ذلك إذا كان من أهل الفهم باللغات أن الذي من أجله خولف بين اعرابيهما اختلاف معنييهما ، وإن كان صوابا قراءة جميع ذلك باتفاق إعرابه على اختلاف معانيه ، إذ كانت العرب قد تتبع بعض الكلام بعضا بإعراب مع اختلاف المعاني ، وخاصة في هذا النوع من الكلام . فأعجب القراءات إلي في ذلك إذ كان الامر على ما وصفت ، قراءة من قرأ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج برفع الرفث والفسوق وتنوينهما ، وفتح الجدال بغير تنوين . وذلك هو قراءة جماعة البصريين وكثير من أهل مكة ، منهم عبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء . وأما قول من قال : معناه النهي عن اختلاف المختلفين في أتمهم حجا ، والقائلين معناه : النهي عن قول القائل : غدا الحج ، مخالفا به قول الآخر : اليوم الحج ، فقول في حكايته الكفاية عن الاستشهاد على وهائه وضعفه ، وذلك أنه قول لا تدرك صحته إلا بخبر مستفيض وخبر صادق يوجب العلم أن ذلك كان كذلك ، فنزلت الآية بالنهي عنه . أو أن معنى ذلك في بعض معاني الجدال دون بعض ، ولا خبر بذلك بالصفة التي وصفنا . وأما دلالتنا على قول ما قلنا من أنه نفي من الله عز وجل عن شهور الحج ، الاختلاف الذي كانت الجاهلية تختلف فيها بينها قبل كما وصفنا . وأما دلالتنا على أن الجاهلية كانت تفعل ذلك فالخبر المستفيض في أهل الأخبار أن الجاهلية كانت تفعل ذلك مع دلالة قول الله تقدس اسمه : إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما . القول في تأويل قوله تعالى : وما تفعلوا من خير يعلمه الله . يعني بذلك جل ثناؤه : افعلوا أيها المؤمنون ما أمرتكم به في حجكم من إتمام مناسككم فيه ، وأداء فرضكم الواجب عليكم في إحرامكم ، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من الرفث والفسوق في حجكم لتستوجبوا به الثواب الجزيل ، فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاء مرضاتي وطلب ثوابي ، فأنا به عالم ولجميعه محص حتى أوفيكم أجره وأجازيكم عليه ، فإني لا تخفى علي خافية ولا ينكتم عني ما أردتم بأعمالكم ، لأني مطلع على سرائركم وعالم بضمائر نفوسكم .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 379 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار