وأولى هذين القولين بالصواب ، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز لان دعوى
المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم ،
والتحكم لا يعجز عنه أحد .
وقد دللنا على معنى النسخ والمعنى الذي من قبله يثبت صحة النسخ بما قد أغنى عن
إعادته في هذه الموضع .
فتأويل الآية إذا كان الامر على ما وصفنا : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله
وسبيله : طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعباده . يقول لهم تعالى ذكره : قاتلوا في
طاعتي ، وعلى ما شرعت لكم من ديني ، وادعوا إليه من ولى عنه ، واستكبر بالأيدي
والألسن ، حتى ينيبوا إلى طاعتي ، أو يعطوكم الجزية صغارا إن كانوا أهل كتاب . وأمرهم
تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم
وذراريهم ، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا ، فذلك معنى قوله :
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم لأنه أباح الكف عمن كف ، فلم يقاتل من مشركي
أهل الأوثان والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغارا .
فمعنى قوله : ولا تعتدوا لا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل
الكتابين والمجوس ، إن الله لا يحب المعتدين الذين يجاوزون حدوده ، فيستحلون ما
حرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم . القول في
تأويل قوله تعالى :
* ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا
تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) *
يعني تعالى ذكره : واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم
مقاتلهم وأمكنكم قتلهم ، وذلك هو معنى قوله : حيث ثقفتموهم ومعنى الثقفة
بالأمر : الحذق به والبصر ، يقال : إنه لثقف لقف إذا كان جيد الحذر في القتال بصيرا
بمواقع القتل .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 260
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٦٠