تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وأولى هذين القولين بالصواب ، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز لان دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم ، والتحكم لا يعجز عنه أحد . وقد دللنا على معنى النسخ والمعنى الذي من قبله يثبت صحة النسخ بما قد أغنى عن إعادته في هذه الموضع . فتأويل الآية إذا كان الامر على ما وصفنا : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله وسبيله : طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعباده . يقول لهم تعالى ذكره : قاتلوا في طاعتي ، وعلى ما شرعت لكم من ديني ، وادعوا إليه من ولى عنه ، واستكبر بالأيدي والألسن ، حتى ينيبوا إلى طاعتي ، أو يعطوكم الجزية صغارا إن كانوا أهل كتاب . وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم ، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا ، فذلك معنى قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم لأنه أباح الكف عمن كف ، فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغارا . فمعنى قوله : ولا تعتدوا لا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس ، إن الله لا يحب المعتدين الذين يجاوزون حدوده ، فيستحلون ما حرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) * يعني تعالى ذكره : واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم ، وذلك هو معنى قوله : حيث ثقفتموهم ومعنى الثقفة بالأمر : الحذق به والبصر ، يقال : إنه لثقف لقف إذا كان جيد الحذر في القتال بصيرا بمواقع القتل .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 260 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار