السماء ؟ وبأي كلام تنزلان منها ؟ فأخبراها فتكلمت فصعدت . فأنساها الله ما تنزل به فبقيت
مكانها ، وجعلها الله كوكبا فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال : هذه التي فتنت
هاروت وماروت فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يستطيعا فعرفا الهلك ، فخيرا بين
عذاب الدنيا والآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة ، فعلقا ببابل فجعلا يكلمان
الناس كلامهما وهو السحر .
1403 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع ، قال : لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله ،
قالت الملائكة في السماء : أي رب هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك ، وقد ركبوا
الكفر وقتل النفس الحرام وأكل المال الحرام والسرقة والزنا وشرب الخمر فجعلوا يدعون
عليهم ولا يعذرونهم . فقيل لهم : إنهم في غيب فلم يعذروهم ، فقيل لهم : اختاروا منكم
ملكين آمرهما بأمري ، وأنهاهما عن معصيتي فاختاروا هاروت وماروت ، فأهبطا إلى
الأرض ، وجعل بهما شهوات بني آدم ، وأمرا أن يعبدا الله ولا يشركا به شيئا ، ونهيا عن قتل
النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ، والسرقة والزنا وشرب الخمر . فلبثا على ذلك في
الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق ، وذلك في زمان إدريس ، وفي ذلك الزمان امرأة
حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب . وإنها أتت عليهما فخضعا لها
بالقول ، وأراداها على نفسها ، وإنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها ، وإنهما سألاها عن
دينها التي هي عليه ، فأخرجت لهما صنما وقالت : هذا أعبد . فقالا : لا حاجة لنا في عبادة
هذا . فذهبا فصبرا ما شاء الله ، ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها .
فقالت : لا إلا أن تكونا على ما أنا عليه . فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا . فلما رأت أنهما
أبيا أن يعبدا الصنم ، قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا الصنم ، أو
تقتلا النفس ، أو تشربا الخمر . فقالا : كل هذا لا ينبغي ، وأهون الثلاثة شرب الخمر .
فسقتهما الخمر ، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها ، فمر بهما انسان وهما في ذلك ،
فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه . فلما أن ذهب عنهما السكر عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة
وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا ، فحيل بينهما وبين ذلك ، وكشف الغطاء بينهما
وبين أهل السماء . فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الذنب ، فعجبوا كل العجب ،
وعلموا أن من كان في غيب فهو أقل خشية ، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض .
وإنهما لما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة ، قيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 641
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٤١