ثم قال : يا محمد أيهم الفاعل بك ؟ فأشار النبي - صلى الله عليه
وآله - إلى عبد الله بن الزبعرى السهمي الشاعر فدعاه أبو طالب فوجأ ( 1 )
أنفه حتى أدماها ، ثم أمر بالفرث ، والدم ، فأمر على رؤس الملا كلهم
ثم قال : يا بن أخ أرضيت ؟ . ثم قال : سألتني من أنت ؟ أنت محمد
ابن عبد الله ، ثم نسبه إلى آدم - عليه السلام - ، ثم قال : أنت والله
أشرفهم حسبا " وأرفعهم منصبا " يا معشر قريش من شاء منكم يتحرك فليفعل
أنا الذي تعرفوني ، فأنزل الله تعالى صدرا " من سورة الأنعام : ( ومنهم
من يستمع إليك ، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ، وفي آذانهم وقرا " ) ( 2 )
هامش
( 1 ) وجاء : باليد والسكين . ضربه في اي موضع كان ، والاسم الوجاء
( أقرب الموارد : 1426 / 2 ) .
( 2 ) الآية 25 - 26 من سورة الأنعام وهما : ( ومنهم من يستمع إليك
وجعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا " ، وان يروا كل آية لا يؤمنوا
بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا الا أساطير الأولين ) .
( وهم ينهون عنه وينأون عنه وان يهلكوا الا أنفسهم وما يشعرون ) .
اخرج الطبري وغيره من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت
عمن سمع ابن عباس أنه قال : إنها نزلت في أبي طالب ينهى عن أذى رسول الله
( ص ) ان يؤذى ، وينأى ان يدخل في الاسلام .
وقال القرطبي في تفسيره : 406 / 6 : هو عام في جميع الكفار - اي ينهون
عن اتباع محمد عليه السلام ، وينأون عنه ، وقيل : هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار
عن أذية محمد عليه السلام ، ويتباعد من الايمان به ، عن ابن عباس أيضا . روى
أهل السير قال : كان النبي ( ص ) قد خرج إلى الكعبة يوما " وأراد ان يصلي ، فلما
دخل في الصلاة ، قال أبو جهل - لعنه الله - من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه
صلاته ؟ ، فقام ابن الزبعرى فاخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي ( ص ) . . الخ
وذكر القرطبي القصة بكاملها ، حتى أبيات أبي طالب التي أولها :
( والله لن يصلوا إليك بجمعهم )
ثم أكمل الرواية بما يلي : ( فقالوا : يا رسول الله هل تنفع نصرة أبي طالب ؟
قال : نعم دفع عنه بذلك الغل ، ولم يقرن مع الشياطين ، ولم يدخل في جب الحيات
والعقارب ، انما عذابه في نعلين من نار يغلي منهما دماغه في رأسه ، وذلك أهون
أهل النار عذابا " ) .
ويرى الشيخ الأميني ان نزول هذه الآية في أبي طالب باطل ، وقد عقد في
( غديره : 3 - 8 / 8 ) فصلا يدفع به أن تكون هذه الآية في حقه من وجوه .
1 - احتمال وجوه مجهولين بين ابن عباس ، وحبيب بن أبي ثابت . أو عدم
ثقة .
2 - ان حبيب بن أبي ثابت انفرد به ، ولم يروه أحد غيره ، ولا يمكن
المتابعة على ما يرويه لاقرار جملة من أصحاب الجرح والتعديل بأنه مدلس ، ويكتب
عن الكذابين ، ولا يصح شئ عنه . ويكفي في ذلك مراجعة ( ميزان الاعتدال :
396 / 1 ، وتهذيب التهذيب 179 / 2 ) .
3 - ان الثابت عن ابن عباس بعدة طرق مسندة يضاد هذه المزعمة ، وان
الآية في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد ان يؤمنوا به ، وينأون عنه
ويتباعدون . كما في ( تفسير الطبري : 109 / 7 والدر المنثور : 8 / 2 وتفسير الآلوسي
: 126 / 7 ) . وليس في هذه الروايات اي ذكر لأبي طالب ، وانما المراد فيها
الكفار الذين ينهون عن اتباع رسول الله والقرآن ، وينأون عنه بالتباعد والمناكرة .
4 - ان المستفاد من سياق الآية الكريمة انه تعالى يريد ذم أناس احياء ينهون
عن اتباع نبيه ، ويتباعدون عنه ، وان تلك سيرتهم السيئة التي كاشفوا بها رسول
الله ( ص ) وهم متلبسون بها عند نزول الآية كما هو صريح ما أسلفه من رواية
القرطبي ، وان النبي ( ص ) أخبر أبا طالب بنزول الآية .
هذا يتنافى مع أن سورة الأنعام التي فيها الآية المشار إليها نزلت جملة واحدة
بعد وفاة أبى طالب ببرهة طويلة .
5 - ان المراد بالآيات كفار جاءوا النبي فجادلوه ، وقذفوا كتابه المبين بأنه
من أساطير الأولين ، وهؤلاء الذين نهوا عنه صلى الله عليه وآله ، وعن كتابه
الكريم ، ونأوا وباعدوا عنه ، فأين هذه كلها عن أبي طالب ؟ الذي لم يفعل كل
ذلك طيلة حياته ، وهو الذي نذر نفسه للذب عن الرسول ، والإشادة برسالته .
وقد عرف ذلك المفسرون فلم يقيموا للقول بنزولها في أبي طالب وزنا " ، فمنهم
من عزاه إلى القيل ، وجعل آخرون خلافه أظهر ، ورأى غير واحد خلافه أشبه .
فمنهم الطبري في تفسيره 109 / 7 قال : المراد المشركون المكذبون بآيات الله
ينهون الناس عن اتباع محمد ( ص ) والقبول منه ، وينأون عنه ويتباعدون عنه
كما ذكر القول بنزولها في أبي طالب وكذلك ذكر قولا آخر ، وأردفه بقوله في ص 110
( وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال تأويل وهم ينهون عنه من اتباع
محمد ( ص ) من سواهم الناس ، وينأون عن اتباعه ) .
كما أن ابن كثير في تفسيره 127 / 2 ذهب إلى القول الأول ، لأنه أظهر
وأيضا النسفي في تفسيره بهامش تفسير الخازن 10 / 2 قال : بالقول الأول ، ثم قال :
وقيل : عنى به أبو طالب . والأول أشبه .
وكذلك الزمخشري في الكشاف 448 / 1 ، والشوكاني في تفسيره 103 / 2
وغيرهما ذكروا القولين ، وعزوا القول الثاني إلى القيل .
اما الرازي في تفسيره 28 / 4 ذكر القولين : نزولها في المشركين الذين كانوا
ينهون الناس عن اتباع النبي والاقرار برسالته . ونزولها في أبى طالب خاصة ، ثم
قال : والقول الأول أشبه لوجهين :
الأول : ان جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية تقتضي ذم طريقتهم فكذلك
قوله : وهم ينهون عنه . ينبغي ان يكون محمولا على أمر مذموم ، فلو حملناه على أن
أبا طالب كان ينهى عن ايذائه لما حصل هذا النظم .
الثاني : انه تعالى قال بعد ذلك : وإن يهلكون إلا أنفسهم . يعني به ما تقدم
ذكره ، ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله ، وهم ينهون عنه أذيته ، لان
ذلك حسن لا يوجب الهلاك . ( * )
وفصل الآلوسي في تفسيره في القول الأول ، ثم ذكر الثاني ، وأردفه بقوله
ورده الامام . ثم ذكر محصل قول الرازي .
هذا هو ملخص ما ذكره شيخنا الأميني في صدد هذه الآية ، ثم ختم
حديثه بما يلي :
( وليت القرطبي لما جاءنا يخبط في عشواء وبين شفتيه رواية التقطها كحاطب
ليل دلنا على مصدر هذا الذي نسجه ممن اخذه ؟ وإلى من ينتهى اسناده ؟ ومن ذا
الذي صافقه على روايتها من الحفاظ ؟ وأي مؤلف دونه قبله ، ومن الذي يقول إن
ما ذكره من الشعر قاله أبو طالب يوم ابن الزبعري ؟ ومن الذي يروى نزول
الآية يوم ذلك ؟ وأي ربط وتناسب بين الآية واخطارها النبي - صلى الله عليه وآله
على أبي طالب وبين شعره ذاك ؟ وهل روي قوله في هذا النسيج : يا عم نزلت
فيك آية . غيره من أئمة الحديث ممن هو قبله أو هو بعده ؟ وهل وجد القرطبي
للجزء الأخير من روايته مصدرا " غير تفسيره ؟ وهل أطل على جب الحيات والعقارب
فوجده خاليا " من أبى طالب ؟ وهل شد الأغلال وفكها هو ليعرف ان شيخ الأبطح
لا يغل بها ؟ أم ان مدركه في ذلك الحديث النبوي ؟ حبذا لو صدقت الأحلام
وعلى كل فهو محجوج بكل ما ذكرناه من الوجوه ) .
ومن أراد الاطلاع على مفصل هذا البحث فليراجع الغدير : 3 - 8 / 8 .
وبعد هذا نعود إلى المؤلف ، فلم نر في الأصل ما يشير إلى نزول هذه الآية
في حق أبى طالب أو غيره ، كلما في الامر ان صدرا " من هذه السورة - سورة الأنعام
- نزلت بعد هذه الحادثة ، ومنها هذه الآية وقد يكون المراد منها هو
القول الأول الذي ذهب إليه جل المفسرين ، بأنها نزلت في حق الكفار المشركين
الذين كانوا ينهون عن اتباع رسول الله أو القرآن ، وينأون عنه بالتباعد والمناكرة
خاصة وإذا " عرفنا انها نزلت بعد وفاة أبى طالب بزمان طويل .