الله ، والحق عنده ( 1 ) آثر ( 2 ) من رضاك .
فلما جلد أبا بكرة قام وقال : أشهد لقد زنى المغيرة ، فأراد عمر أن
يجلده ثانيا " ، فقال أمير المؤمنين علي عليه السلام إن جلدته رجمت
صاحبك ( 3 ) .
هامش
( 1 ) في ح : لا توجد كلمة ( عنده ) .
( 2 ) في ح : ( آثر عنده ) .
( 3 ) قال السبكي في ( طبقات الشافعية : 210 / 2 ) تعليقا " على قول الإمام ( ع )
ما نصه : ( وقد اختلف أصحابنا في معنى هذا الكلام بعد الاعتراف باشكاله على
وجهين ، رايتهما في تعليق ابن أبي هريرة ، وهذا كلامه في التعليقة . وكان معنى
قوله : ان جلدته فارجم صاحبك . اي انك استحللت جلده من غير استحقاقه إياه
فارجم صاحبك ، ويحتمل ان يكون معناه ان كنت أقمت هذا شاهد آخر فارجم
صاحبك لتمام الشهادة ، فان كنت لا تجعله شاهدا " رابعا " حتى ترجم به صاحبك ، فلا
تجعله قاذفا " رابعا " حتى تحده لأنه قد حددتموه ) .
وليت السبكي اكتفى بهذه التعليقة ، وترك الموضوع للتاريخ والوجدان ، ثم إلى
اجتهاد الخليفة نفسه ، وهو حر في راية ، ولكن على ما يظهر عز عليه ان يطعن صحابي
كبير ! ! مثل المغيرة بالفاحشة ، كما عز عليه وعلينا ان تتهم شخصية اسلامية
كبرى ، تتمتع بأهم منصب إسلامي بمحاولة تغير مجرى الشهادة درءا " عن الحد
لمخالفة فظيعة لشرعة الله . وقد أحس ان الاشكال لا يزال قائما " فاختلق قصة
جديدة يكاد ينفرد بها عن باقي المؤرخين ليدافع بها عن هذا الصحابي المتهم
ويبرر عمله فيها ، ولكنه وقع في الشبك ثانية من حيث لا يدري .
فالسبكي بعد أن ذكر التعليقة المتقدمة ، أردفها بقول ابن الرفعة ، الذي يقول :
( وقد قيل : ان المغيرة كان قد تزوج بتلك المرأة سرا " ، وكان عمر لا يبيح نكاح
السر ، ويوجب الحد على فاعله ، وكان يقول للمغيرة هذه امرأتك فينكر ، فظنه
من شهد عليه زانيا " ، لأنهم يعرفون منه انه ينكرها ، قال : وهذا طريق يحسن
الظن بالصحابة ، وحينئذ لا يكون الشهود كذبوا ولا المغيرة زنى والحمد لله ) .
الواقع ان السبكي لم يقصر في حق المغيرة ، وشاء كما شاء غيره ان يدفع
هذه التهمة عنه ، ولكن وقع بأمر آخر وهو مخالفة أمر خليفته . وهو نكاح
السر فتقول الرواية ( عن مالك عن أبي الزبير قال : اتى عمر بنكاح لم يشهد عليه
إلا رجل وامرأة ، فقال : هذا نكاح السر ، ولا أجيزه ، ولو كنت تقدمت فيه
لرجمت ) عن ( الأم للشافعي : 22 / 5 ) ولهذا نرى المغيرة نفسه أحجم عن هذا
الادعاء ، فلم يشر في مقام الدفاع عن نفسه امام الخليفة والشهود ، عن هذا الزواج
المزعوم ، والسبكي نفسه غير متأكد من دعوى الزوجية لذا قدمها بقوله : ( وقد قيل )
ومعلوم ان هذه الكلمة لا تفيد القطع . وعلى فرض صحة زواج المغيرة سرا " . أليس
هو قد خالف أمر الخليفة ، وعمل محرما " ؟ فإذا كان الخليفة عمر متأكد من
زواج هذا الصحابي فلماذا لم يقم عليه الحد ؟ . وإذا كان غير متأكد فلماذا عمد إلى
تغيير وجهة نظر الشاهد ، وأوحى له بعدم الادلاء بالشهادة ؟ .
وعلى اي صورة نقلب المسألة فالاشكال لا يزال قائما " :
فالحد على المغيرة مرتب على كل حال : اما انه زان ، أو ان نكاحه ( نكاح
سر ) ، أو انه وجد مع امرأة وهو في أقبح مكان وشأنه لم يكن بأقل من الرجل
الذي جلد خمسين سوطا " لأنه شوهد مع امرأة في لحافها ، ولم يشهد عليه انه فعل
بها أو لامسها بمحرم - كما تقدم الحديث عنه
وإقامة الحد على الشهود ، غير وارد أيضا " : لأنهم شهدوا عليه بأنه في حالة
عملية جنسية معها وان لم يكن ادخل بها ، وان درء الحد عن ثلاثة أولى من درء الحد عن
واحد ، بالإضافة إلى أنهم جميعا " لهم صحبة مع رسول الله ، فالامتياز ساقط ، ولأن
الشهود غير معروفين بالزنى ، والمغيرة أجمعت المصادر عليه بأنه كان أزنى الناس في
الجاهلية وبقيت معه حتى الاسلام بقية كما تؤكد الرواية ، وبعد هذا فللخليفة راية
واجتهاده . .