ب - شكر المنعم واجب :
إن الإنسان في حياته غارق في النعم فهي تحيط به منذ نعومة أظفاره إلى
أخريات حياته وهذا مما لا يمكن لأحد إنكاره .
ومن جانب آخر : أن العقل يستقل بلزوم شكر المنعم ولا يتحقق الشكر إلا
بمعرفته . وعلى هذين الأمرين يجب البحث عن المنعم الذي غمر الإنسان
بالنعم وأفاضها عليه ، فالتعرف عليه من خلال البحث إجابة لهتاف العقل ،
ودعوته إلى شكر المنعم المتفرع على معرفته .
الثالث : لو كان الأساس لوجوب المعرفة هذين الأمرين : فيكون وجوبها
عقليا لا سمعيا لما عرفت من أن استقلال العقل بدفع الضرر المحتمل أولا ، يدفع
الإنسان إلى البحث عن المعرفة والنظر ، حتى يقف على صحة ما أخبر ، ليقوم ( إذا
تبينت صحة الخبر ) بالتكاليف ويدفع عن نفسه عادية الضرر ، أو استقلاله بشكر
المنعم يدفعه إلى معرفة المنعم ليقوم بشكره . كل ذلك يثبت مقالة العدلية من
كون وجوب النظر ، عقليا لا سمعيا .
الرابع : إذا كان الدافع إلى المعرفة والنظر هو العقل لأجل دفع الضرر ، فلا
شك أنه يدفعه لتحصيل العلم في ذلك المجال ، وذلك لأن الاحتمال لا ينتفى إلا
بتحصيل العلم بأحد طرفي القضية ، كما أن الشكر الحقيقي لا يتحقق إلا بالمعرفة
العلمية إذا كان متمكنا من تحصيل العلم .
أضف إلى ذلك أن معرفة الصانع وصفاته وأفعاله كمعرفة نبيه وسفيره من
الأمور المهمة مما تبتني عليها كثير من الأصول الاعتقادية ، والتشريعات في
مجالات مختلفة ، فهل يحسن في منطق العقل أن يبنى صرح الحياة عاجلا وآجلا
على شفيرها أو على قاعدة متزلزلة ؟ كلا .
فالعقل كما يحكم بلزوم المعرفة للأمرين الماضيين كذلك يحكم بلزوم
الإيمان والكفر في الكتاب والسنة — صفحة 88
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٨٨