مكلّفاً بشيء ، انطلاقاً من مبدأ * ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) * ( 1 ) .
وهذا الصنف من الناس ليس لديه احترام لنفسه ; لأنّ أهون شيء عنده دينه . فهو إذا أراد أن يأكلّ تخيّر أفضل الأطعمة ، وإذا أراد أن يلبس تخيّر أفضل الألبسة ، وإذا أراد الزواج فلا تسأل عن الخبر ، حتّى إذا تعلّق الأمر بالدين تساهل وتسامح وغض الطرف ، واعتبر كلّ شيء صحيحاً ومنّى النفس الأماني .
ومنهم من يكون قد تقدّم في تديّنه بحيث يُستمع إليه إذا تكلّم ويستشار ويُستفتى ، وقد يترقى اجتماعياً بسبب تديّنه حتّى إذا تشابهت الأمور كان أهم شيء عنده ألاّ يفقد منصبه الديني ووضعيته الاجتماعية فيجنّد نفسه للدفاع عن ذلك ، ويتخلّف عما عاهد الله من الصدق والإخلاص ، فيغتنمها منه الشيطان ويصيب منه المقتل ، فيفتح له باب الإفتاء ، ويحيطه بالشبهات ، ويُعتّم عليه ويطلعه على أقوال شيوخ السوء ممن ساءت نيّته وخبثت سريرته فخذله الله تعالى ووكّله إلى نفسه .
وهذا الصنف يصدق عليه قوله تعالى : * ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) * ( 2 ) .
ومنهم من يبقى حائراً متردداً لا يدري ما يفعل ، إذ لا هو مقتنع بما هو عليه ولا هو مطّلع على بديل ، فيخشى على نفسه الضلال ، خصوصاً إذا كان دينه من قلبه بمكان ومنهم من هو في غنى عن الوضعيّة الاجتماعية والمنصب ، ومع ذلك لأسباب يعلمها الله تغلب عليه الشقوة ويؤثر الباطل على الحقّ ويصبح من دعاته
هامش
1 - البقرة ( 2 ) : 286 .
2 - الأعراف ( 7 ) : 175 - 176 .