الملوك إليهم عظيمة ، إذ كانوا يحاربون الله بهم ورسوله ، ولذا كانوا عند الملوك والولاة اُولي منزلة سامية ، وشفاعة مقبولة ; فكانت لهم بسبب ذلك صولة ودولة ، وكان يتعصّبون على الأحاديث الصحيحة إذا تضمّنت فضيلة لعلي أو لغيره من أهل بيت النبوة ، فيردّونها بكلّ شدة ، ويسقطونها بكل عنف ، وينسبون رواتها إلى الرفض - والرفض أخبث شيء عندهم ! - هذه سيرتهم في السنن الواردة في علي ، ولا سيما إذا تشبث الشيعة بها ، وكان لاُولئك المتزلفين من يرفع ذكرهم من الخاصّة في كلّ قطر ، ولهم من يروّج رأيهم من طلبة العلم الدنيويّين ، ومن المرائين بالزهد والعبادة ، ومن الزعماء وشيوخ العشائر ، فإذا سمع هؤلاء ما يقولون في ردّ تلك الأحاديث الصحيحة اتّخذوا قولهم حجّة ، وروّجوه عند العامّة والهمج ، وأشاعوه وأذاعوه في كلّ مصر ، وجعلوه أصلاً من الاُصول المتّبعة في كلّ عصر .
وهناك قوم آخرون من حملة الحديث في تلك الأيّام ، اضطرّهم الخوف إلى ترك التحديث بالمأثور من فضل علي وأهل البيت ، وكان هؤلاء المساكين إذا سألوا عما يقوله اُولئك المتزلفون في ردّ السنن الصحيحة المشتملة على فضل علي وأهل البيت يخافون - من مبادهة العامة بغير ما عندهم - أن تقع فتنة عمياء صماء بكماء ، فكانوا يضطرون في الجواب إلى اللواذ بالمعاريض من القول ، خوفاً من تألب أُولئك المتزلفين ، ومروّجيهم من الخاصّة ، وتألب من ينعق معهم من العامّة ورعاع الناس ، وكأن الملوك والولاة أمروا الناس بلعن أمير المؤمنين ، وضيقوا عليهم في ذلك ، وحملوهم بالنقود ، وبالجنود ، وبالوعيد والوعود ، على تنقيصه وذمه ، وصوّروه للناشئة في كتاتيبها بصورة تشمئزّ منها النفوس ، وحدّثوها عنه بما تستك منها المسامع ، وجعلوا لعنه على منابر المسلمين من سنن العيدين والجمعة ، فلولا أنّ نور الله لا يطفأ ، وفضل أوليائه لا يخفى ، ما وصلت إلينا السنن من طريق الفريقين صحيحة صريحة بخلافته ، ولا تواترت النصوص بفضله ، وإنّي والله لأعجب من الفضل الباهر الذي اختص به عبده وأخا رسوله علي بن أبي طالب ،
موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 93
مساهمون: مركز الأبحاث العقائدية
ص٩٣