لا يحقّ لك التعصّب لعقيدة لا تمتلك عليها دليلاً سوى التقليد الأعمى ، وكان يحثّ نفسه على البحث من أجل تشييد معتقداته الموروثة على أساس الأدلّة والحجج والبراهين .
وبالفعل جنّد « محمّد عبد الله » نفسه لهذا الأمر ، ولكنّه واجه العديد من العقبات ، ووجد الكثير من المفاهيم الدينيّة التي كان يعتقد بها فيما سبق لا تنسجم مع العقل ، وهذا ما دفعه إلى التأمّل فيها والتشكيك بصحّتها .
مسألة الكسب في الأفعال البشريّة :
كان « محمّد عبد الله » يعتقد بأنّ الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد ، وهو الذي يخلق في العبد قدرة عند خلقه لفعل العبد ، وأنّ هذه القدرة التي يخلقها الله غير مؤثرة ، وليس للإنسان أي تأثير في إيجاد فعله وإنّما فعل العبد يخلقه الله ويكسبه العبد ، والكسب - كما هو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري - هو مقارنة خلق الله تعالى لفعل العبد مع القدرة التي يمنحها تعالى للعبد ، من غير أن يكون لقدرة العبد أيّ تأثير أو مدخل في وجود الفعل ، لأنّ العبد ليس إلاّ محلاّ للفعل الذي يخلقه الله تعالى فيه ( 1 ) .
ولكن وجد « محمد عبد الله » بعد التأمّل وإعمال العقل بأنّ هذه النظرية تعني عدم وجود دور للإنسان في أفعاله ، وإذا كان اللّه خالقاً لفعل العبد وهو الخالق لقدرة العبد ويصدر فعل العبد بقدرة الله تعالى من دون أن تكون لقدرة العبد أي تأثير ، فكيف يمكن نسبة الفعل إلى العبد ، وكيف يمكن أن يتحمّل الإنسان مسؤوليّة فعله إذا لم يكن له أيّ دور في وقوع فعله .
ووجد « محمّد عبد الله » بأنّ الأشعري ومن تبعه يحاولون أن ينفون عن أنفسهم القول بالجبر ويجتهدون لإثبات الاختيار ونسبة الفعل إلى الإنسان عن طريق القول بالكسب ، فهم يقولون بأنّ الله تعالى يخلق فعل الإنسان ولكن
هامش
( 1 ) انظر : المواقف ، للإيجي : 3 / 214 .