فعمر بن الخطاب - في الواقع - يقرّ بأنّ ما قام به بدعة لم يسنّها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو يعلم بأنّ ما ارتآه في هذا المجال مخالف للسنّة النبويّة الشريفة التي لا تصاب بالعقول ، ولكنه مع ذلك أظهر البدعة وأدخل ما ليس من الدين فيه ، وقد حاول محبّي عمر أن يبرّروا عمله بشتّى الطرق وإن كان ذلك على حساب الدين وعلى حساب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهذه هي آفة الدين .
صلاة التراويح بين عمر والإمام علي ( عليه السلام )
عندما استلم الإمام علي ( عليه السلام ) زمام الخلافة في انتخاب جماهيري ضخم لم يحظ به حتّى الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه في إدارة الدولة الإسلاميّة الفتيّة ، لم يرق ذلك لقريش التي خافت زوال سلطانها ، فحاربته بكلّ الوسائل كما حاربت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قبل ، فتوجّه الإمام علي ( عليه السلام ) إلى مواجهة الفتن وإماتة البدع وإحياء سنّة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي ضاع الكثير منها أيّام الخلفاء الثلاثة .
وعندما استقرّ حكم الإمام عليّ ( عليه السلام ) في الكوفة طالبه الناس بإقامة صلاة التراويح جماعة فرفض ذلك ونهاهم عن الاجتماع في صلاة النوافل ، وعرّفهم بأنّ ذلك من البدعة ، فضجّ الناس وجعلوا يقولون أبكوا رمضان ، وا رمضاناه ، واعمراه ، فقال عند ذلك : « دعوهم وما يريدون ، يُصلِّ بهم من شاؤوا » ( 1 ) .
ومن هنا يتبيّن الفرق بين عمر والإمام عليّ ( عليه السلام ) . فعمر يعلم بأنّ أداء صلاة التراويح ليست من الإسلام ، ولكنّه سنّها لإظهار هيبة الدولة بالاستفادة من الشعائر الدينيّة وإن كانت محرّفة ، بينما نجد الإمام علياً ( عليه السلام ) كان هدفه الأساسي حفظ الدين وإحياء السنّة وإماتة البدعة ، ولم يكن يفعل ذلك بالقوّة ، فالدين ليس فيه إكراه فهو يبيّن للناس السنّة النبويّة ، ويميّز لهم البدعة ، فإن أبوا ذلك لم يقطع عادتهم بالعنف وإعمال قوّة الدولة ، وهذا ما لا تجده في أرقى أنظمة الحكم طوال
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة ، الحرّ العاملي : 8 / ص 47 ، ح 10066 .