هل طلب الشفاعة نوع من الشرك :
يقول البعض : بأنّ طلب الشفاعة وخاصّة من الأموات هو شرك باللّه سبحانه الذي يختصّ بالشفاعة ولا يجوز أن يدّعى معه أحد . وطلب الشفاعة لا يختلف عما يفعله المشركون في الجاهلية الذين كانوا يعظّمون الأصنام لتقرّبهم إلى اللّه زلفى ، ثمّ يطلبون منها حاجاتهم .
والصحيح أنّ مقام الشفاعة لمّا أعطاه اللّه سبحانه وتعالى لمن أذن له ذلك من المقربين إليه ، جاز للآخرين طلب الشفاعة منهم ، وإلاّ كانت الشفاعة للمقرّبين لا معنى لها ، وصحيح أنّ الشفاعة كلّها للّه سبحانه وتعالى ، لكن ذلك لا يمنع أن يعطيها لمن يريد ، والمقربون حينما يشفعون للعبيد المذنبين بإذن اللّه تعالى لا يعني ذلك تعدّياً على التوحيد الإلهي وإشراك الآخرين فيه ، بل هو عين التوحيد ، لأنّه مظهر لإرادة اللّه سبحانه وخضوع تام له ، حيث أبى اللّه سبحانه وتعالى أن يعبد إلاّ من حيث شاء هو ، فلا بدّ لنا أن نسلّم لإرادته ولا نقترح عليه أن تجري الأمور بيننا وبينه مباشرة بدون وساطة ، وقد قال اللّه سبحانه : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ ) ( 1 ) فلا بدّ أن تخضع رغبات العباد لإرادته سبحانه ، ولا بدّ أن يتواضع العباد لمن اختارهم اللّه وكرّمهم ، فلا يجوز لهم التكبّر عليهم أبداً ، ولعلّ هذه هي بعض الحكمة من تشريع الشفاعة وإعطائها لعباده المقرّبين .
كما أنّ تشبيه طلب الشفاعة من الأولياء المختارين بطلب الحاجات من الأصنام قياس مع الفارق ، فالأولياء أذن اللّه لهم بالشفاعة ، وهم لا يشفعون بالاستقلال ، والأصنام لم يقبل اللّه سبحانه توسيطها وعبادتها وتعظيمها .
ثمّ إنّ موت الولي ومفارقة روحه بدنه وانقطاع عمله في هذه الدنيا ، لا يعني أنّه ميّت عند اللّه سبحانه وتعالى ، بل هو حيّ يرزق ، ويسمع الدعاء والكلام ويرد
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 35 .