الشفاعة بين النفي والاثبات
هناك آيات كثيرة ، وأحاديث مستفيضة قد ثبّتت معنى الشفاعة للأنبياء ( عليهم السلام ) وخاصّة الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيت النبي الكرام وهم الأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) ، وقد اتّفق المسلمون على أصل الشفاعة منذ زمن الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى يومنا هذا ، ولكن ظهرت متأخراً فرقة تنفي الشفاعة أصلاً أو تحاول تحديدها وتضييقها إلى أضيق الحدود ، لأسباب عديدة منها فقدان العلم والمعرفة لأنّ الشفاعة والتوسّل من المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى فهم عميق رغم بساطة معناها اللغوي ; حيث تتداخل معها عقائدياً وفقهياً معان أُخرى تختلف أحكامها حسب الظاهر ، أو على الأقل ترد فيها شبهات قد لا يستطيع الكثيرون حلّها فيقعون في الخطأ .
هل الشفاعة تنافي العدالة الإلهية :
يذهب البعض إلى أنّ الشفاعة نوع من الوساطة غير العادلة ، وأنّها إذا اُدخلت في الحساب ضاع العمل وتجرّأ الناس على ارتكاب المعاصي اتّكالا عليها .
والصحيح أنّ الشفاعة نوع من الرحمة الإلهية للمذنبين وحالها حال التوبة التي يغفر بها الذنوب ولا يمكن لعاقل أن يدّعي بأنّ ذلك ينافي العدالة الإلهية ، فهي نافذة أمل إضافية مفتوحة أمام العباد المذنبين تمنع استيلاء اليأس والقنوط على مشاعر الناس حتّى لا يرتكبوا المزيد من الذنوب بعد اليأس من النجاة .
كما أن للشفاعة حدوداً وشروطاً لا يمكن أن تعطى لكلّ من هبّ ودب ، بل لها قوانينها الخاصّة بها ، فلا يمكن الاتّكال عليها مطلقاً وارتكاب الذنوب بسببها ، بل هي نوع من المغفرة مثل سائر أنواع التوبة والعفو ، فالعبد ليس على يقين بأنّه سيحصل عليها بمجرّد طلبها ، بل لا بدّ له من الاجتهاد والعمل بالطاعات ; لأنّ اللّه سبحانه وتعالى كما هو غفور رحيم ، فهو جبّار شديد العقاب .
موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 208
مساهمون: مركز الأبحاث العقائدية
ص٢٠٨