الإفراط والتفريط ، وتجلّت له هذه الحقيقة بصورة واضحة عندما اطّلع على نفي أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) للجبر والتفويض واعتقادهم بالأمر بين الأمرين .
الأمر بين الأمرين :
عرف « زين الحبشي » خلال بحثه بأنّ عقيدة الأشاعرة فيما يخصّ أفعال العباد تستلزم الجبر لأنّهم يقولون بأنّ الله خالق كلّ شيء ولا يوجد خالق غيره ، ويقولون بأنّ قدرة الإنسان لا تأثير فيها في صدور الفعل منه ، ويقولون بأنّ العبد لا دور له إلاّ كسب الفعل الذي يخلقه الله وبما أنّهم يقولون بأنّ الله خالق كلّ شيء فلازمه قولهم أن يكون الله تعالى هو الخالق للكسب فلا يكون للإنسان أيّ دور في أفعاله ، فيكون الإنسان أداة يحرّكها الله تعالى كيفما يشاء ، وهذا ما يعني الجبر .
وأما التفويض فهو الرأي الذي ذهبت إليه المعتزلة ، فقالت بأنّ الله تعالى فوّض إلى العباد مسألة خلقهم لأفعالهم ، فالعبد مستقل بإيجاد أفعاله وفق مشيئته ، ولكن يرد على هذا الرأي بأنّه ينافي أصل احتياج الإنسان إلى الله عزّ وجلّ ، وهو يوجب الاعتقاد بأنّ الله تعالى عاجز في تدبير أمر خلقه وإدارة شؤونهم .
كما أنّ التفويض يستلزم الشرك في الخالقية ، لأنّه يوجب الاعتقاد بوجود خالقين مستقلين أحدهما الله عزّ وجل والثاني الإنسان الذي يكون خالقاً مستقلاً وغير محتاجاً إلى الله في بقائه .
وأما مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فهو يتمثّل في المقولة المشهورة للإمام الصادق ( عليه السلام ) حيث قال : « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » ( 1 ) .
ومعنى « الأمر بين الأمرين » - كما قال الشيخ المفيد ب « إنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكّنهم من أعمالهم ، وحدّ لهم الحدود في ذلك . . . فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها ، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي : 1 / 160 ، ح 13 .