تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
للآخر ، لكن لا وجود لشئ منهما في الخارج استقلالا ، وإنما الموجود هناك منشأ انتزاع الأمرين . فالطبيعتان المفروضتان متحدتان بحسب الوجود الخارجي التبعي نظرا إلى اتحاد ما ينتزعان منه ، ولما عرفت أن المكلف به هو إيجاد الماهية وترك إيجاده لزم اجتماع المتنافيين في تكليفه بإيجاد منشأ انتزاع الأمرين وتركه له . ألا ترى أنه لو قال " ايتني بواحد من القوم ولا تأتني بالفاسق " لم يمكن إبقاء التكليفين على إطلاقهما ، فإن المأمور بالإتيان به والمنهي عنه بحسب الحقيقة إنما هو من ينتزع منه الوصفان المذكوران ، لا مجرد الإتيان بالواحد من حيث إنه واحد . ومفهوم الفاسق من حيث هو ، فمجرد تغاير الوحدة للفسق بحسب الاعتبار لا ينفع في المقام مع اتحادهما في الخارج بحسب ما ينتزعان منه . ويرد عليه : أن منشأ انتزاع الأمرين المذكورين وإن كان أمرا واحدا في الخارج إلا أن كلا منهما مغاير للآخر بحسب وجوده الضعيف الاعتباري ، إذ من البين أن انتزاع العقل لشئ من شئ يتفرع على نحو وجود لذلك الشئ في المنتزع منه ، وإلا لكان الانتزاع بمحض التعمل من غير أن يكون له حقيقة أصلا . ومن البين أيضا أن ذلك الوجود ليس عين وجود المنتزع منه بملاحظة ذاته بل هو من توابعه ولواحقه . فإذا تقرر ذلك ظهر أن اتحاد منشأ انتزاع الأمرين لا يقضي باتحادهما بحسب الوجود الخارجي ليكون وجود منشأ انتزاعهما عين وجود الأمرين المذكورين في الخارج . نعم غاية الأمر : أن يكون وجودهما تابعا لوجوده فإذا كان هناك شيئان موجودان في الخارج ولو بحسب الوجود الضعيف فأي مانع من قيام الضدين بهما نظرا إلى تغاير محلهما ، أقصى الأمر توقف وجودهما على وجود ما ينتزع منه ولا ربط له بلزوم المانع المذكور . نعم يتم الكلام المذكور على قول من يرى عدم وجود الأمور الاعتبارية في الخارج أصلا ويجعل وجودها في الخارج بمعنى وجود ما ينتزع منه ، فيرجع التكليف بإيجادها عنده إلى التكليف بإيجاد ما ينتزع منه وحينئذ يتم المدعى .
هداية المسترشدين — صفحة 79 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني