تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
جواز الأخذ بالأدلة الظنية ، ضرورة أن الظن مما يتغير ويتبدل ، وحرام الله وحلاله مما لا تغير فيه ولا تبديل . وقد قرر بعضهم هذا الوجه بهذه الصورة ، وهي : أن كل حكم اجتهادي قابل للتغيير ، وكل حكم قابل للتغيير مخالف للشريعة الإسلامية الأبدية ، فينتج أن كل حكم اجتهادي مخالف للشريعة الإسلامية . ووهنه واضح ، أما أولا : فبأنه منقوض بما يحكم به الأخباريون ، لجواز الرجوع عن الحكم بالنسبة إليهم أيضا ، كما إذا عملوا بالعموم ثم عثروا بعد ذلك على خبر يخصصه ، أو فهموا أولا من الخبر حكما ثم عدلوا عن فهمهم . وإنكار إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة . وحينئذ فنقول : إن حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر . وأما ثانيا : فبأنه لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون ما يفيد الظن هو حكم الله الواقعي ليكون الأخذ بالظنون هو المطلوب الأول . وأما إذا قلنا بكون الأخذ به مطلوبا من حيث كشفه عن الواقع وكونه طريقا إليه - ليكون حكما ظاهريا كما هو المذهب عندنا - فلا ، إذ تغيير الأحكام الظاهرية غير عزيز في الشريعة . وقد اتفق عليه الفريقان ، كما إذا وجد شيئا في أسواق المسلمين فحكم بحله ثم علم بعد ذلك كونه حراما ، أو أخذ لحما من يد مسلم ثم علم كونه لحم خنزير أو ميتة ، فإن حكمه بالحل أولا حكم ظاهري قد انكشف بعد ذلك خلافه . ولو جعل كل من الحل والحرمة المتعلقين بالموضوع الواحد حكما واقعيا في المقام فمع وضوح فساده يجري الدليل المذكور بالنسبة إليه أيضا ، فلا بد من الالتزام بفساده والقول بعدم جواز الأخذ بأحد الحكمين المذكورين ، وهو واضح الفساد . فظهر أنه لا دلالة لأبدية الأحكام على عدم جواز الأخذ بالاجتهاد القابل للتغيير ، إذ لا يتوهم أحد نسخ الحكم بعد رجوع المجتهد عنه حتى يلزم انقطاع الحكم وخروجه عن التأبيد ، بل ليس اختلاف الحكم من جهة الاختلاف في الاجتهاد والرجوع عن الحكم الأول إلا ظاهريا ، كاختلاف الحاصل في الحكم
هداية المسترشدين — صفحة 692 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني