تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وفيه : أن ظاهر الآية عدم استحقاقهم العقاب وأنه لو عاقبهم لما حسن منه ذلك ، فإن ظاهر التعبير المذكور أن ذلك مما لا ينبغي صدوره منه ، كما إذا قلت : ما كنت لأفعل كذا ، قال الله تعالى : * ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) * ( 1 ) . ويمكن دفعه بأن غاية ما يسلم دلالتها عليه أن اللائق به تعالى عدم حصول التعذيب منه قبل البعثة ، وهو قد يكون من جهة العفو وأن اللائق بلطفه عدم تعذيب العباد قبل تشفيع العقل بالنقل وإن كان الأول كافيا في استحقاق العقاب بعد وضوح طريق الصواب ، فاستحقاق العقوبة ثابت للعبد بالنظر إلى حاله من جهة عصيانه وإن لم يصح التعذيب منه تعالى نظرا إلى ما عليه من اللطف والرحمة ، واللازم للوجوب هو الأول ، ولا ينافيه الثاني كما هو الشأن في الصغائر عند ترك الكبائر . فإن قلت : ليس المقصود استحقاق العبد لمطلق العذاب ، بل لعذابه تعالى ، وهو لا يجامع عدم صلاح صدور التعذيب منه تعالى ، إذ لا يعقل استحقاقه لعذابه تعالى مع عدم حسن التعذيب منه تعالى . وما ذكر من عدم استحقاق العقوبة في ارتكاب الصغائر عند ترك الكبائر ممنوع ، لحصول الاستحقاق هناك نظرا إلى إقدامه على المعصية . غاية الأمر أن يكون ترك الكبيرة كفارة له ، وأين ذلك من عدم استحقاق العقوبة في الإقدام عليه ؟ قلت : فرق بين عدم استحقاق العقاب من أصله واستحقاق العفو نظرا إلى لطفه تعالى مع عدم منافاته للحكمة في ذلك المقام ، إذ من الواضح توقف العفو على الاستحقاق ، فإن العفو لا يكون إلا عن ذنب ، فهناك استحقاق للعقوبة واستحقاق للعفو ، واللازم لمخالفة الواجب والحرام هو الأول دون الثاني . لحصول ( 2 ) . ثم إن القائلين بالحسن والقبح العقليين اختلفوا في كونهما ذاتيين للأفعال أي ثابتين لها لنفس ذواتها أو أنهما يثبتان لها من جهة الأمور الخارجة عن الذات على أقوال :
هامش
( 1 ) التوبة : 115 . ( 2 ) كذا .