تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
الخامس : أنه لو كان الحسن والقبح شرعيين لاستوى نسبة الأفعال بالنظر إلى الأمر والنهي ، فكان ترجيح الشارع بعضها بالأمر وبعضها بالنهي - البالغين حد المنع من خلافه وعدمه - ترجيحا من غير مرجح ، وفساد التالي مع ظهوره سيبين في محله . ويمكن الإيراد عليه : بأنه لا ينحصر المرجح في المقام في خصوص حسنها وقبحها بالمعنى المتنازع فيه ، فقد يكون أمورا أخر كموافقة المصلحة ومخالفتها وموافقة الطبع ومخالفته ، حيث إن التكليف يناسب أن يكون بإيجاد المخالف وترك الملائم ، مضافا إلى أن الأشعري يجوز الترجيح بلا مرجح ، فلا يتم الاستدلال على مذهبه ، إلا أن ذلك لا يدفع الاحتجاج لإثباتهم المقدمة المذكورة في محله . وأما الحجج النقلية الدالة على ذلك من الكتاب والسنة فكثيرة جدا . فمن الأول قوله تعالى : * ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) * ( 1 ) فيدل على أن هناك فحشاء ومنكرا مع قطع النظر عن تعلق النهي منه سبحانه بهما لا أنهما صارا فحشاء ومنكرا بنهيه ، كما هو ظاهر من عرض الكلام المذكور . على العرف ، كيف ؟ ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الفحشاء والمنكر هو عين ما نهى عنه ، فيكون مفاد الآية : أن الله ينهى عما نهى عنه وهو واضح الفساد ، بل نقول : إن سياق الآية في كمال الظهور في الدلالة على أنه تعالى يأمر بالأمور الحسنة من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الأمور القبيحة من الفحشاء والمنكر والبغي . ومنه قوله تعالى : * ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * ( 2 ) فيدل على أن هناك فحشاء لا يتعلق أمر الشارع به ، ولولا ذلك لكان الفحشاء عين المنهي عنه ، فيكون مفاد الآية حينئذ إنه لا يأمر بما نهى عنه ، وهو مع فساده في نفسه مخالف لسياق الآية ، إذ مفاده أن ما ذكر قبل من قبيل الفحشاء
هامش
( 1 ) النحل : 90 . ( 2 ) الأعراف : 28 .