تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
في نفسه فلا يتعلق به أمره تعالى ، فإنه لا يأمر بالفحشاء ، ففيه دلالة على بطلان القول بجواز أمره سبحانه بأي من الأفعال من غير فرق بينها حسب ما زعموه . وربما يقال : بدلالتها على المقصود لو حمل الفحشاء على المعنى المذكور أيضا لإفادتها عدم تعلق الأمر والنهي بشئ واحد ، وهو مبني على القاعدة المذكورة أيضا . ولا يخفى وهنه ، إذ غاية ما يفيده حينئذ عدم وقوع ذلك منه ، وأين ذلك من عدم جواز وقوعه منه تعالى ؟ ومنه قوله تعالى : * ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن . . . ) * ( 1 ) والتقريب ما مر ، كيف ؟ وسياقها صريح في أن الله سبحانه لم يحرم إلا الأمور المستنكرة عند العقول مما يحكم صريح العقل بقبحه وذم فاعله . وقد عد في الآية الشريفة جملة منها . ومنه قوله تعالى بعد النهي عن الغيبة : * ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) * ( 2 ) فإنه صريح في قبح الفعل المذكور في نفسه ، فإنه كأكل لحم أخيه الميت ، القبيح في حكم العقل أيضا ، فنهي الشارع عنه مقرون بالقبح المذكور ، لا أن مجرد نهيه عنه قضى بقبحه من غير حصول قبح فيه . وليس المراد بالاستكراه في الآية الشريفة مجرد استكراه الطبع دون القبح واستحقاق الذم ، فإنه لا يناسب التعليل في المقام . ومنه الآيات الواردة في الاحتجاج على الكفار والعصاة بإبداء فرق العقل بين المحسن والمسئ والمطيع والعاصي ونحوهما كقوله تعالى : * ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) * ( 3 ) . ومنه الآيات الدالة على الحث على الأخذ بما يحكم به صريح العقل كقوله تعالى : * ( أفلا تعقلون ) * * ( أفلا تذكرون ) * * ( لعلكم تتفكرون ) * ونحوها ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على نحو ما ذكره صريحا أو فحوى .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 33 . ( 2 ) الحجرات : 12 . ( 3 ) ص : 28 .