تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
تقضي الوقت وخروجه ، فيعلم أنه كان مأمورا به . وليس يجب ، إذا لم يعلم قطعا أنه مأمور ، أن يسقط عنه وجوب التحرز . لأنه إذا جاء وقت الفعل ، وهو صحيح سليم ، وهذه أمارة يغلب معها الظن ببقائه ، فوجب أن يتحرز من ترك الفعل والتقصير فيه . ولا يتحرز من ذلك إلا بالشروع في الفعل والابتداء به . ولذلك مثال في العقل ، وهو أن المشاهد للسبع من بعد ، مع تجويزه أن يخترم السبع قبل أن يصل إليه ، يلزمه التحرز منه ، لما ذكرناه ، ولا يجب إذا لزمه التحرز أن يكون عالما ببقاء السبع وتمكنه من الاضرار به " . وهذا الكلام جيد ، ما عليه في توجيه المنع من مزيد . وبه يظهر الجواب عن استدلال بعضهم على حصول العلم بالتكليف قبل الفعل ، بانعقاد الاجماع على وجوب الشروع فيه بنية الفرض ، إذ يكفي في وجوب نية الفرض غلبة الظن بالبقاء والتمكن ، حيث لا سبيل إلى القطع ، فلا دلالة له على حصول العلم . وعن الثالث : بالمنع من تكليف إبراهيم ( عليه السلام ) بالذبح الذي هو فري الأوداج ، بل كلف بمقدماته كالإضجاع ، وتناول المدية ، وما يجري مجرى ذلك . والدليل على هذا قوله تعالى : " وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " . فأما جزعه ( عليه السلام ) فلإشفاقه من أن يؤمر - بعد مقدمات الذبح - به نفسه ، لجريان العادة بذلك . وأما الفداء ، فيجوز أن يكون عما ظن أنه سيأمر به من الذبح ، أو عن مقدمات الذبح زيادة على ما فعله ، لم يكن قد أمر بها ، إذ لا يجب في الفدية أن يكون من جنس المفدي . وعن الرابع : أنه لو سلم ، لم يكن الطلب هناك للفعل ، لما قد علم من امتناعه ، بل للعزم على الفعل والانقياد إليه والامتثال . وليس النزاع فيه ، بل في نفس الفعل . وأما ما ذكره من المثال ، فإنما يحسن لمكان التوصل إلى تحصيل العلم بحال العبد والوكيل ، وذلك ممتنع في حقه تعالى .
هداية المسترشدين — صفحة 604 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني