تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الوجه الثاني - أن أمر الايجاب طلب يذم تركه اتفاقا ، ولا ذم إلا على فعل ، لأنه المقدور ، وما هو هاهنا إلا الكف عنه ، أو فعل ضده ، وكلاهما ضد للفعل . والذم بأيهما كان ، يستلزم النهي عنه ، إذ لا ذم بما لم ينه عنه ، لأنه معناه . والجواب : المنع من أنه لا ذم إلا على فعل ، بل يذم على أنه لم يفعل . سلمنا ، لكنا نمنع تعلق الذم بفعل الضد ، بل نقول : هو متعلق بالكف ، ولا نزاع لنا في النهي عنه . واعلم : أن بعض أهل العصر حاول جعل القول بالاستلزام منحصرا في المعنوي ، فقال : التحقيق أن من قال بأن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده لا يقول بأنه لازم عقلي له ، بمعنى أنه لا بد عند الأمر من تعقله وتصوره . بل المراد باللزوم : العقلي مقابل الشرعي ، يعني : أن العقل يحكم بذلك اللزوم ، لا الشرع . قال : " والحاصل : أنه إذا أمر الآمر بفعل ، فبصدور ذلك الأمر منه يلزم أن يحرم ضده ، والقاضي بذلك هو العقل . فالنهي عن الضد لازم له بهذا المعنى . وهذا النهي ليس خطابا أصليا حتى يلزم تعقله ، بل إنما هو خطاب تبعي ، كالأمر بمقدمة الواجب اللازم من الأمر بالواجب ، إذ لا يلزم أن يتصوره الآمر " . هذا كلامه . وأنت إذا تأملت كلام القوم رأيت أن هذا التوجيه إنما يتمشى في قليل من العبارات التي أطلق فيها الاستلزام . وأما الأكثرون فكلامهم صريح في إرادة اللزوم باعتبار الدلالة اللفظية . فحكمه على الكل بإرادة المعنى الذي ذكره تعسف بحت ، بل فرية بينة . واحتج المفصلون على انتفاء الاقتضاء لفظا ، بمثل ما ذكرناه في برهان ما اخترناه ، وعلى ثبوته معنى بوجهين : أحدهما : أن فعل الواجب الذي هو المأمور به لا يتم إلا بترك ضده ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وحينئذ فيجب ترك فعل
هداية المسترشدين — صفحة 189 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني