مطلب في أن الأصل في الأشياء الإباحة
قوله : ( لما أن الصحيح الخ ) حاصله أن هذا التعليل المار عن الهداية مبني على أن الأصل في
الأشياء الإباحة وهو رأي المعتزلة ، والصحيح من مذهب أهل السنة أن الأصل فيها الوقف حتى يرد
الشرع ، بل الوجه أن العصمة ثابتة بخطاب الشرع عندنا ، فلم تظهر العصمة في حقهم ، وعند
الشافعي هم مخاطبون بالشرائع ، فظهرت العصمة في حقهم ، فلا يملكونها بالاستيلاء ، هذا حاصل ما
في المنبع شرح المجمع .
أقول : وفيه نظر من وجوه :
الأول : أن ما مر عن الهداية ليس مبنيا على أن الأصل الإباحة ، لان الخلاف المذكور فيه إنما
هو قبل ورود الشرع ، وصاحب الهداية إنما أثبت الإباحة بعد ورود الشرع بمقتضى الدليل : يعني أن
مقتضى الدليل إباحتها ، لكن ثبتت العصمة بعارض ، وقد صرح بذلك في أصول البزدوي حيث قال
بعد ورود الشرع : الأموال على الإباحة بالاجماع ما لم يظهر دليل الحرمة ، لان الله تعالى أباحها
بقوله : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * ( سورة البقرة : الآية 92 ) .
الثاني : أن الكفار مخاطبون بالايمان وبالعقوبات سوى حد الشرب وبالمعاملات ، وإنما
الخلاف في العبادات كما قدمناه أوائل الجهاد .
الثالث : أن قوله : فلم تظهر العصمة في حقهم : أي هو مباح لهم ، ففيه رجوع إلى القول
بالإباحة كما أفاده ط .
الرابع : أن نسبة الإباحة إلى المعتزلة مخالف لما في كتب الأصول ، ففي تحرير ابن الهمام :
المختار الإباحة عند جمهور الحنفية والشافعية اه . وفي شرح أصول البزدوي للعلامة الأكمل : قال
أكثر أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي إن الأشياء التي يجوز أن يرد الشرع بإباحتها وحرمتها قبل
وروده على الإباحة ، وهي الأصل فيها حتى أبيح لمن لم يبلغه الشرع أن يأكل ما شاء ، وإليه أشار
محمد في الاكراه حيث قال : أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي ، فجعل الإباحة أصلا
والحرمة بعارض النهي ، وهو قول الجبائي وأبي هاشم وأصحاب الظاهر . وقال بعض أصحابنا
وبعض أصحاب الشافعي ومعتزلة بغداد : إنها على الحظر . وقالت الأشعرية وعامة أهل الحديث :
إنها إلى الوقف ، حتى إن من لم يبلغه الشرع يتوقف ولا يتناول شيئا ، فإن تناول لم يوصف فعله
بحل ولا حرمة . وقال عبد القاهر البغدادي : تفسيره لا يستحق ثوابا ولا عقابا وإليه مال الشيخ أبو
منصور اه . وبسط أدلة الأقوال فيه . قوله : ( ويفترض علينا اتباعهم ) أي لاستنفاد أموالنا ما داموا في
دار الاسلام ، فإن دخلوا دار الحرب لا يفترض ، والأولى الاتباع ، بخلاف الذراري يفترض اتباعهم
مطلقا . بحر عن المحيط . وقوله : مطلقا أي ، وإن دخلوا دار الحرب ، لكن ما لم يبلغوا حصونهم
كما قدمناه أول الجهاد عن الذخيرة . قوله : ( فإن أسلموا تقرر ملكهم ) أي لا سبيل لأربابها عليها بحر
عن شرح الطحاوي ، وعبر الشارح بالتقرر ، لان ملكهم بعد الاحراز قبل الاسلام ، على شرف الزوال