وبعد أن مضى في البرهان على ذلك بنماذج حية انتخبها من التراث ،
أكد ضرورة التصحيح بهذه الملاحظة الهامة ، فقال : " لا سيما مع
الفوضى التي أحاطت بالأحاديث الواردة عن الأئمة عليهم السلام من
وضاع الحديث الذين كانوا لا يكتفون بنقل الأحاديث الموضوعة بشكل
مباشر ، بل كانوا يدسونها في كتب أصحاب الأئمة الموثوقين كزرارة
ومحمد بن مسلم وأمثالهما - ليدخل الحديث الموضوع إلى الذهنية
الإسلامية العامة من خلال هؤلاء الثقات الذين لا يدخل الريب إلى ما
ينقلونه عن الأئمة انطلاقا من وثاقتهم .
الأمر الذي يفرض الكثير من التوقف عند هذا اللون من الحديث المتصل
بتفاصيل العقيدة ، سواء من ناحية ما يحيط بالسند من علامات استفهام
متنوعة ، أو ما يوحي به المتن من التساؤلات " ( 1 ) .
وهكذا كثر هذا النوع من الحديث وانتقل إلى كتب الشيعة . .
ولا يكفي في مواجهته كون الرواة من الغلاة مذكورين في كتب
الرجال ، فهذا قدر لا ينتفع به إلا أهل التحقيق الذين تجردوا من كل هوى ،
وهم الندرة دائما في كل عصر ومصر . .
وأمام هذين الاتجاهين من الوضع تبدو المسألة أكثر يسرا ، حين كانت
كتب الرجال قد عرفت النواصب والغلاة . .
وحين كان النواصب بحكم المنافقين على ما في الحديث الصحيح " لا
يبغضك إلا منافق " . . والغلاة بحكم الكفار لسوء معتقدهم . . ولا
خلاف في أن المنافقين والكفار معا لا يؤتمنون على هذا الدين ، فلو ابتدأ
المشروع التصحيحي بطرح أحاديث النواصب والغلاة من تراثنا الإسلامي
هامش
( 1 ) مجلة الفكر الجديد الصادرة عن دار الإسلام للدراسات والنشر - لندن - العدد 9 -
ص 6 - 8 .