فأكون أول من يتكلم ، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير بن أبي
أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ، ثم أقبل على الناس فقال : يأهل مكة ،
أنأكل الطعام ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم ،
والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة .
قال أبو جهل ، وكان في ناحية المسجد : كذبت والله لا تشق ، قال زمعة
ابن الأسود : أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابها حيث كتبت ، قال
أبو البختري : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقر به ، قال المطعم بن عدي
: صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ، ومما كتب فيها ،
وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك . فقال أبو جهل : هذا أمر قضى بليل ، تشوور
فيه بغير هذا المكان . [ قال ] : وأبو طالب جالس في ناحية المسجد ، فقام المطعم
إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم " .
وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة . فشلت يده فيما يزعمون .
قال ابن هشام : وذكر بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لأبي طالب : يا عم ، إن ربى الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم
تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ، ونفت منها الظلم والقطعية والبهتان ، فقال :
أربك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم ، قال : فوالله ما يدخل عليك أحد ، ثم خرج إلى
قريش فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا ، فهلم صحيفتكم ،
فإن كان كما قال [ ابن أخي ] فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها ، وإن كان كاذبا
دفعت إليكم ابن أخي ، فقال القوم : رضينا فتعاقدوا على ذلك ، ثم نظروا ،
فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزادهم ذلك شرا ، فعند ذلك
صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا .
قال ابن إسحاق : فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها ، قال أبو طالب ، فيما
كان من أمر أولئك النفر الذين قاموا في نقضها يمدحهم :
السيرة النبوية — صفحة 253
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٢٥٣