ولكنّ الَّذي يسهّل الخطب أنّه يشترط في جواز التكليف بشيء أمران :
أحدهما : أن يكون مقدورا ولو مع الواسطة .
والثاني [ 1 ] : أن يكون من المفاهيم العرفية ، ومن الأمور التي يفهمها العرف ، والمصالح وإن كانت مقدورة بالواسطة لكن لا تكون ممّا يفهمه العرف ، ضرورة أنّ العرف إذا قيل لهم : « انهوا أنفسكم عن الفحشاء والمنكر » يعدّون المتكلَّم بهذا الكلام متكلَّما بكلام عبراني ، ولا يفهمون شيئا منه ، فلا يصحّ الأمر بذلك ، بل الأمر تعلَّق بنفس الفعل ، فيصحّ تعريف القوم بأنّ الواجب النفسيّ ما يكون واجبا لا لواجب آخر ، والغيري ما يكون واجبا لواجب آخر .
لكن هذا الجواب لا يتمّ في كثير من الواجبات التي تكون ملاكاتها معلومة لنا ، كردّ الأمانة ، الَّذي ملاكه حفظ النظام ، وهكذا حفظ النّفس ، والحرف التي يتوقّف حفظ النظام عليها ، ودفن الميّت ، فإنّ ملاكه حفظه عن تغيّر ريحه وهتك حرمته ، وغير ذلك من الواجبات التي تكون المصالح المترتّبة عليها وملاكاتها من المفاهيم التي يفهمها العرف .
هامش
[ 1 ] عدم العرفية على نحو الإطلاق ليس مانعا من تعلَّق التكليف ، وإلَّا يلزم عدم صحّة التكليف بمثل الوضوء والصلاة ونحوهما من الواجبات أيضا ، فإنّ المكلَّف وإن يعلم بالأمر بهما أنّهما يؤثّران في الملاك وأمّا أنّ الصلاة ما ذا ؟ والوضوء ما ذا ؟ فهو عاجز عن فهمه ، فلا بدّ من البيان من ناحية الشارع ، فما لا يفهمه العرف يصحّ الأمر به بشرط البيان من قبل الشارع .
وبعبارة أخرى : عدم عرفية الملاكات كعدم عرفية الواجبات التي لها حقائق شرعية ، وقول الشارع : « اعمل عملا ينهاك عن الفحشاء » كقوله : « صلّ » في أنّ العرف كما لا يفهم ما ذلك العمل الَّذي ينهي عن الفحشاء كذلك لا يفهم ما هو الصلاة حتى يفعلها .
نعم إذا كان شيء خارجا عن فهم العرف ولم يمكن للشارع بيانه ، فهو غير قابل للتكليف ، ولكنّ الملاكات ليست كذلك . ( م ) .