تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحدائق الناضرة — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
واعترض في المسالك على الاستدلال في الآيتين المذكورتين بأن الصدقة كما تقدم من العقود المفتقرة إلى القبول اجماعا " فدلالتهما على اعتباره أولى من عدمه . أقول : الظاهر من كلام المفسرين وهو ظاهر الآيتين المذكورتين إنما هو الابراء ، والعفو عما يستحقونه ، احتج القائلون بالاشتراط باشتمال الابراء على الهبة ، فلا يجبر على تحملها ، وقبولها كهبة العين ، ولو لم يعتبر القبول فتحملها جبرا " . وأجيب عنه بالفرق بين هبة العين وهبة الدين ، فإن الأول تمليك ، والثاني اسقاط ، فاعتبر القبول في الأول دون الثاني ، وتوضيحه أن الهبة لما كانت هنا بمعنى الابراء كما عرفت ، ومن الظاهر أن الابراء لا يتعلق بالأعيان ، فإنه لو أبرأ مالك الوديعة الودعي منها لم يملكها ولو قبل ، وكذا لو أسقط حقه من عين مملوكة لم تخرج بذلك عن ملكه ، بخلاف الدين ، فإنه لذلك ، فإنه ليس شيئا " موجودا " ، فكان أشبه بالعتق . وأما ما ذكروه من اشتمال الابراء على الهبة ، ففيه أنه لا يخفى أن اسقاط الانسان حق نفسه باختيار ، من غير طلب من عليه الحق واستدعائه ذلك لا يظهر فيه منة ، بثقل تحملها على من عليه الحق ، بخلاف هبة الأعيان المتوقفة على القبول والقبض ونحو ذلك مما يشترط في صحة العقود مما هو ظاهر في الحرص على التملك الموجب للمنة غالبا " ، والله العالم .
الثاني : لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط القبض في الهبة في الجملة ، وإنما الخلاف في كونه شرطا " في الصحة أو اللزوم ؟ فالمشهور بين المتأخرين الأول ، ونقله في المختلف عن أبي الصلاح ونقله ابن إدريس عن أكثر علمائنا ، وذهب الشيخان وابن البراج وابن حمزة وابن إدريس والعلامة في المختلف إلى الثاني . ويظهر الخلاف في مواضع ، منها النماء المتخلل بين العقد والقبض ، فإنه يكون للواهب على الأول ، وللمتهب على الثاني .