خاتمة
قال مترجم الكتاب المملوك الأصغر فتح بن علي الأصبهاني : قد أعان اللّه وله الحمد على امتثال مراسم مولانا السلطان « الملك المعظم » ملك ملوك العرب والعجم ، وضاعف اللّه اقتداره ، وأعز أنصاره ، في ترجمة هذا الكتاب البارع المشتمل على بحار لئالي الحكم ، ومعادن جواهر الكلم .
فنزعت عن أعطافه أسمال اللسان العجمي ، وكسوت معانيه أفواف البيان العربي ، بألفاظ رشيقة ، وعبارات أنيقة ، وأسلوب يسلب القلوب ، ويسحر العقول . ووشحته بقلائد مناقب الحضرة المعظمة السلطانية سالكا سبيل عبوديتها عن خلوص الطوية ، وصفاء النية . وخلدت بها ذكره مثبتا على صفحات الأيام ، ومجدّدا على تعاقب الشهور والأعوام ، مطبقا طلاع الخافقين ، سائرا في أكناف بلاد المشرقين . فإن هذا الكتاب ليس كسائر الكتب التي لا تفارق رباع المؤلفين ، ولا تجاوز ديار المصنفين .
لكونه مما ترتاح القلوب بمطالعة غرائبه ، وتهتز النفوس إلى استماع قصصه وعجائبه . وليس قولي هذا إلا دلا بما أتيت ، وإعجابا بما ألّفت . فإنه ولولا روائح سعادات هذه الحضرة التي لا تزال تهبّ علىّ وعلى العالمين جنوبا وشَمالا ، وميامنها التي تكتنفنى وإياهم يمينا وشَمالا لا ستصعبتْ حوشيات ألفاظه النافرة من أن تخزم ، وفي سلك البيان تقطره ، واستعصتْ ريضات معانيه الجامحة أن تلجم بشكائم التقييد وتسطر . وقد كنت ، في مقتبل تعرّضى له ناقلا ، وجدتني وكأني خلفت في العىّ باقلا . فأنطقتنى أياديه حتى صرت أساجل الأيادى فأملأ الدلو إلى عقد الكرب . وحلت مساعيه عقدة العىّ عن لسان قلمي حتى كأنه مصقعِ أخضر الجلدة من بيت العرب . وليس بِدْعا من سعادته أن تزيل عن المفحمين العىّ والحَصر ، وتهدى إلى المحجوبين البصيرة والبصر .
هذا . ولئن تشاكى الفردوسي في خاتمة . كتابه حين لم يبلغ من سلطانه ما تمناه ولم تصدقه مخيلة يمناه فلقد وجدت في هذا الجناب ما فقده من ضالّة الكرم ، وبلغت ما لم يتمنه من الفواضل والنعم .
وصادفت مع « أحسنَت » إحسانا وإفضالا ، وقبولا وإقبالا . وحصلت من الانتماء إلى عبوديته مفاخر وشّحت بها مساعي الآباء والأسلاف ، ورفعت بها على تعاقب الأحقاب أسامي الأعقاب .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 277
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٧٧