قال أبو محمد : وهذا أمر كان ينبغي لأهل التقوى ألا يمروه على خواطرهم
فكيف أن يحلوا به ويحرموا ويتركوا له قول ربهم تعالى ؟ فأول ذلك الكذب
البحث أن أصل القصر المشقة . ولو كان ذلك لكان المريض المدنف المثبت العلة
كالمبطون ، والذي به ناقض الحمى والموم والسل ممن تثقل عليه الكلمة يسمعها
ويصعب عليه رد الجواب بكلمة فما فوقها ، أولى بالقصر لعظيم مشقة الصلاة عليه
وتكلف القراءة فيها والإيماء والتشهد صرف ذهنه إليها ، من المراكب في
عمارية ومعه مائة عبد يتمشى في أيام الربيع على ضياعه من روضة إلى نهر ، ومن
نهر إلى صيد ، ومن صيد إلى نزهة ، ومن كل منظر بديع إلى منظر حسن ينزل
إذا شاء ويرجل إذا شاء ، إلا أنه من ذلك قاصد مسافة أكثر من ثلاثة أيام من
وطنه . وهذا ما لا يحيل على صبي له أدنى فهم ، فكيف على من يتعاطى التحريم
والتحليل ، ويستدرك على ربه تعالى أشياء لم يذكرها ربه تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ،
إن هذا لهو الضلال المبين .
هذا والمريض والمسافر قد سوى الله عز وجل بينهما في الفطر في رمضان ، وفي
إباحة متيمم ، فهلا ساوى القياسيون المعللون بينهما في قصر الصلاة للذي المريض
أحوج عليه من المسافر ، لأنه أكثر مشقة منه وأحوج إلى الراحة ؟ فأين قياسهم
وعللهم ؟ ثم هلك ، لو صح ما قالوه ، إن العلة في قصر الصلاة مشقة السفر ، وأعوذ
بالله من ذلك فأي تمام للمشقة في ثمانية وأربعين ميلا في سهل وأمن وظلال
أشجار ، وفي أيام الربيع في آذار وفي نيسان ، ولفارس مريح قوي ، على سبعة
وأربعين ميلا في أوعار وشعار ، وفي حارة القيظ في تموز ، وفي خوف شديد
لراجل مكدود كبير السن ضعيف الجسم ؟ فأباحوا للفارس الذي ذكرنا أن يفطر
في رمضان ويقصر الصلاة ، ومنعوا الرجل المكدود في الوعر والحر من ذلك .
الاحكام — صفحة 1142
مساهمون: ابن حزم
ص١١٤٢