قال أبو محمد : وهذا قول فاسد ، لان جميع أحكام الشريعة كلها أصول ، فإن
كانوا عنوا بذلك أن الصلاة جملة أصل جامع ثم النوازل فيها فروع فهذا سوء
عبارة لان اسم الصلاة يقع على عملها كله فتلك النوازل إنما هي أجزاء من الصلاة ،
ولا تسمى أجزاء الشئ فروعا له ، لان الفرع غير الأصل ، والاجزاء ليست
غير الكل . فبطل ما موهوا به من تقسيمهم الشريعة على فروع وأصول ، وصح
أن جميع أحكام الشريعة كلها سواء وأصول ، ولا يوجد شئ منها إلا عن قرآن
أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن إجماع .
ونص تعالى عن ألا يقرب المشركون المسجد الحرام ، فقال بعضهم : إن علة
ذلك تطهير المسجد الحرام منهم ، فأجروا ذلك في كل مسجد ، فكان يلزمهم وإذا
لزم الحج إلى مكة ، أن يلزم إلى المدينة لان مسجد المدينة والمدينة عند القائلين
بما ذكرنا أفضل من مسجد مكة ومن مكة ، وهذا إن طردوا فيه أصولهم كفروا ،
فإذا ادعوا الاجماع المانع لهم من ذلك قيل لهم : لا عليكم قيسوا إيجاب جزاء
الصيد بالمدينة وحرمه ، فقد قال بذلك بعض التابعين
من الأئمة . وقيسوا الجزاء فيما حرم قطعة من شجر الحرم على الجزاء فيما حرم
صيده من صيد الحرم ، فإن لم يفعلوا فقد تناقضوا وتركوا إجراء العمل ، وتركوا
القياس ، وتركوا أن يتعدوا النص ، ولو فعلوا هذا في كل مسائلهم لاهتدوا
ولنجوا من ضلال القياس وفتنته .
وقالوا : إن علة الحدود الزجر والردع .
قال أبو محمد : كذبوا في ذلك إذا كان ذلك لما جاز العفو في قتل النفس
ولم يجز العفو في الزنى بالأمة وفي السرقة ، ولو كان ذلك لما كانت السرقة أولى
بوجوب حد محدود فيها من الغضب ، ولا كانت الخمر أولى بذلك من لحم الخنزير
ومن الربا ، ولا كان الزنى أولى بذلك من القذف بالكفر ، أو بترك
الصلاة ، ولا كان الزنى بذلك أولى من ترك الصلاة ، فظهر كذب دعواهم في ذلك ،
والحمد لله رب العالمين .
وقالوا : إن علة القصر في الصلاة في السفر إنما هي المشقة ، فلذلك حدت بيوم
ويومين وثلاثة أيام ، على اختلافهم في ذلك .
الاحكام — صفحة 1141
مساهمون: ابن حزم
ص١١٤١