ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان
لكما عدو مبين ئ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * .
قال أبو محمد : وقال الله تعالى حاكيا عن إبليس إذ عصى وأبى عن السجود
أنه قال : * ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) * .
فصح أن خطأ آدم عليه السلام إنما كان من وجهين : أحدهما : تركه حمل
نهي ربه تعالى عن الوجوب . والثاني : قبوله قول إبليس أن نهي الله عن الشجرة
إنما هو لعلة كذا . فصح يقينا بهذا النص البين أن تعليل أوامر الله تعالى معصية ،
وأن أول ما عصى الله تعالى به في عالمنا هذا القياس ، وهو قياس إبليس على
أن السجود لآدم ساقط عنه ، لأنه خير منه ، إذ إبليس من نار وآدم من طين ،
ثم بالتعليل للأوامر كما ذكرنا ، وصح أن أول من قاس في الدين وعلل في
الشرائع فإبليس . فصح أن القياس وتعليل الاحكام دين إبليس ، وأنه مخالف
لدين الله تعالى ، نعم ولرضاه ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في
الدين ، ومن إثبات علة لشئ من الشريعة ، وبالله تعالى التوفيق .
وقال الله عز وجل حاكيا عن قوم من أهل الاستخفاف أنهم قالوا
إذا أمروا بالصدقة : * ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) * .
قال أبو محمد : فهذا إنكار منه تعالى للتعليل ، لأنهم قالوا : لو أراد الله تعالى
إطعام هؤلاء لاطعمهم دون أن يكلفنا نحن إطعامهم . وهذا نص لا خفاء به ، على
أنه لا يجوز تعليل شئ من أوامره ، وإنما يلزم فيها الانقياد فقط وقبولها على ظاهرها .
وقال تعالى : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * فهم ظلموا
فحرمت عليهم ، ونحن نظلم فلم تحرم علينا الطيبات التي أحلت لنا ، وقال عليه
السلام : إننا سنركب سنن أهل الكتاب لو دخلوا جحر ضب لدخلناه فصح أننا
ظلمنا كظلمهم ، ولم يحرم علينا ما حرم عليهم ، فبطل التعليل جملة ، إذ لو كان ظلمهم
علة التحريم لوجب أن يكون ظلمنا علة فينا لمثل ذلك ، فلما لم يكن هذا كذلك ،
علمنا أن الله تعالى جعل ظلمهم سببا لان حرم عليهم ما حرم ، ولم يجعل ظلمنا سببا
لان يحرم علينا مثل ذلك ، فصح أنه يفعل ما يشاء في مكان ما من أجل شئ ما ،
ولا يفعل ذلك في مكان آخر من أجل مثل ذلك الشئ بعينه ، وهذا
الاحكام — صفحة 1139
مساهمون: ابن حزم
ص١١٣٩