الآية المذكورة نزلت يوم عرفة في حجة الوداع قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاثة
أشهر ، وحتى لو نزلت بعد ذلك شرائع لما كان نزولها معارضا للآية المذكورة ،
لان الدين في كل وقت تام كامل ، ولله تعالى أن يمحو من الدين ما يشاء ، وأن
يزيد فيه ، وأن يثبت وليس ذلك لغيره ، بل قد صح أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبيل موته
بساعة بإخراج الكفار من جزيرة العرب ، وألا يبقى فيها دينان ، ولمن يكن
هذا الشرع ورد قبل ذلك . ولو ورد لما أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما غرضنا
من هذه الآية أن الله تعالى تولى إكمال الدين ، وما أكمله الله تعالى فليس لأحد
أن يزيد فيه رأيا ولا قياسا لم يزدهما الله تعالى في الدين ، وهذا بين .
وبالله تعالى التوفيق .
وأما أمر الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه يوم الخميس قبل
وفاته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام ، فإنما كان في النص على أبي بكر رضي الله عنه ،
ولقد وهل عمر وكل من ساعده على ذلك ، وكان ذلك القول منهم خطأ عظيما ،
ولكنهم الخير أرادوا ، فهم معذورون مأجورون ، وإن كانوا قد عوقبوا على
ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالخروج عنه ، وإنكاره عليهم التنازع بحضرته .
ولقد ولد الامتناع من ذلك الكتاب من فرقة الأنصار يوم السقيفة ما كاد
يكون فيه بوار الاسلام ، لولا أن الله تداركنا بمنه ، وولد من اختلاف الشيعة
وخروج طوائف منهم عن الاسلام ، أمرا يشجي نفوس أهل الاسلام ،
فلو كتب ذلك الكتاب لانقطع الاختلاف في الإمامة ، ولما ضل أحد فيها ،
لكن يقضي الله أمرا كان مفعولا . وقد أبى ربك إلا ما ترى .
وهذه زلة عالم ، نعني قول عمر رضي الله عنه يومئذ ، قد حذرنا من مثلها ،
وعلى كل حال فنحن نثبت ونقطع ونوقن ، ونشهد بشهادة الله تعالى ، ونبرأ من
كل من لم يشهد ، بأن الذي أراد صلى الله عليه وسلم أن يمله في ذلك اليوم ، في الكتاب
الذي أراد أن يكتبه ، لو كان شرعا زائدا من تحريم شئ لم يتقدم تحريمه ، أو
تحليل شئ تقدم تحريمه ، أو إيجاب شئ لم يتقدم إيجابه ، أو إسقاط إيجاب شئ
تقدم إيجابه ، لما ترك صلى الله عليه وسلم بيانه ولا كتابه لقول عمر ، ولا لقول أحد
الاحكام — صفحة 1057
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٥٧