على النهي عنه بنص أو إجماع فهو حرام ، وسمعا وطاعة ، ومن أراد استباحته
حينئذ فهو آثم كاذب عاص ، وإن تأت على النهي عنه بنص ولا إجماع فأنت
كاذب ، وذلك الشئ ليس حراما .
فهل في العالم حكم يخرج عن هذا ؟ فصح أن النص مستوعب لكل حكم يقع أو وقع
إلى يوم القيامة ، ولا سبيل إلى نازلة تخرج عن هذه الأحكام الثلاثة ، وبالله تعالى التوفيق .
ثم قد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما جاءت به هذه الآيات ، كما
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي ، ثنا
محمد بن يوسف ، ثنا محمد بإسماعيل ، ثنا إسماعيل هو ابن أبي أويس ، ثنا مالك
ابن أنس ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دعوني
ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم
عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم .
قال أبو محمد : فهذا حديث جامع لكل ما ذكرنا ، بين فيه صلى الله عليه وسلم أنه
إذا نهى عن شئ فواجب أن يجتنب ، وأنه إذا أمر بأمر فواجب أن يؤتى منه حيث
بلغت الاستطاعة ، وأن ما لم ينه عنه ، ولا أمر به ، فواجب ألا يبحث عنه في حياته
عليه السلام ، وإذ هذه صفته ففرض على كل مسلم ألا يحرمه ولا يوجبه ،
وإذا لم يكن حراما ، ولا واجبا ، فهو مباح ضرورة ، إذ لا قسم إلا هذه الأقسام
الثلاثة ، فإذا بطل منها اثنان وجب الثالث ، ولا بد ضرورة ، وهذه قضية النص ،
وقضية السمع ، وقضية العقل التي لا يفهم العقل غيرها ، إلا الضلال والكهانة
والسخافة التي يدعيها أصحاب القياس أنهم يفهمون من الوطئ الاكل ومن الثمر
الجلوز ومن قطع السرقة مقدار الصداق ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ثم نعكس عليهم سؤالهم فنقول لهم : إذا جوزتم وجود نوازل لا حكم لها في
قرآن ولا سنة ، فقولوا لنا : ماذا تصنعون فيها ؟ فهذا لازم لكم وليس يلزمنا ، لان
هذا عندنا باطل معدوم لا سبيل إلى وجوده أبدا ، فأخبرونا إذا وجدتم تلك
النوازل أتتركون الحكم فيها ؟ فليس هذا قولكم ، أم تحكمون فيها ؟ ولا سبيل
الاحكام — صفحة 1060
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٦٠