وكل هذا ، فالقول به على الله تعالى في الدين حرام . مقرون بالشرك أمر من أمر
إبليس . إلا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهو الحق الذي نقوله على الله تعالى .
ولا يحل لنا أن نقول عليه غيره ، فإذ لم يأمرنا عليه السلام بالقياس فهو
حرام من أمر الشيطان بلا شك ، وقد بينا فيما خلا ، كل ما شغبوا مما أرادوا التمويه
به فيه بالحديث فحرم القول بالقياس البتة .
وبهذا بطل كل قول بلا برهان على صحته ، حتى لو لم يقيم برهان بإبطاله ، فلو لم
يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله ،
لان الفرض علينا ألا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان ، وإذ ذلك كذلك
فالفرض علينا أن نبطل كل قول قيل في الدين ، حتى يقوم برهان بصحته ، وهذا
برهان ضروري لا محيد عنه ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد اعترض بعضهم في قول الله تعالى * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * بما روي
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس قبل موته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام : ائتوني
بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعدي وبما روي عن عائشة رضي الله
عنها قولها : لم يكن الوحي قط أكثر منه قبيل موت النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :
هذه أشياء زائدة على ما كان حين قوله تعالى في حجة الوداع : * ( اليوم أكملت
لكم دينكم ) * .
واعترض آخرون من أهل الجهل على الحديث المذكور بالآية المذكورة ،
وصوبوا فعل عمر وقوله في ذلك اليوم .
قال أبو محمد : وهذان الاعتراضان من هاتين الطائفتين لا يشبهان اعتراض
المسلمين ، وإنما يشبهان اعتراض أهل الكفر والالحاد ، وبعيد عندنا أن يعترض
بهما مسلم صحيح الباطن ، لان الطائفة الأولى مكذبة لله عز وجل في قوله إنه أكمل
ديننا ، مدعية أنه كانت هنالك أشياء لم تكمل ، والطائفة الثانية مجهلة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم مدعية عليه الكذب في أمر الكتاب الذي أراد أن يكتبه ، أو
التخطيط في كلامه ، وأن قول عمر أصوب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلا
هذين القولين كفر مجرد .
وكل هذه النصوص حق لا تعارض بين شئ منها بوجه من الوجوه ، لان
الاحكام — صفحة 1056
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٥٦