تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاحكام — صفحة 1053

مساهمون:

ص١٠٥٣
أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه فصح نصا أن ما لم يقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فليس واجبا ، لأنه لم يأمر به ، وليس حراما لأنه لم ينه عنه ، فبقي ضرورة أنه مباح ، فمن ادعى أنه حرام مكلف أن يأتي فيه بنهي من النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن جاء سمعنا وأطعنا ، وإلا فقوله باطل ، ومن ادعى فيه إيجابا كلف أن يأتي فيه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء به سمعنا وأطعنا ، وإن لم يأت به فقوله باطل ، وصح بهذا النص أن كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم فهو فرض علينا إلا ما لم نستطع من ذلك ، وأن كل ما نهانا عنه فحرام حاشا ما بينه صلى الله عليه وسلم أنه مكروه أو ندب فقط ، فلم يبق في الدين حكم إلا وهو ههنا منصوص جملة . ثم نعكس عليهم هذا السؤال وهذا القول فنقول لهم : أنتم تقولون : لا نازلة إلا ولها نظير في القرآن أو السنة ، فنحن نعكس السؤال عن تلك النوازل التي تريدون سؤالنا عنها ، من دينار وقع في محبرة وسائر تلك الحماقات ، فأرونا نظائرها في القرآن والسنة ، وأنتم تقرون أنه لا نصوص فيها ، فخبرونا كيف تصنعون فيها أتحكمون فيها بقولكم ؟ فهذا دينكم لا دين الله ففي هذا ما فيه ، فظهر فساد كل سؤال لهم والحمد لله رب العالمين كثيرا . وقال من سلف من أصحابنا رحمهم الله : يقال لمن قال بالقياس قد أجمعتم - أنتم وجميع المسلمين بلا خلاف من أحد منهم ، على أن الاحكام كلها في الديانة جائز أن تؤخذ نصا ، واتفقوا كلهم - بلا خلاف من واحد منهم لا من القائلين بالقياس ولا من غيرهم ، على أن أحكام الديانة كلها لا يجوز أن تؤخذ قياسا ، ولا بد عندهم من نص يقاس عليه ، فيقال لأصحاب القياس ، عندكم حقا فمن ههنا بدؤوا به فقيسوا ما اختلفنا فيه من المسائل التي جوزتم القياس فيها ، ومنعنا نحن منها ، على ما اتفقنا عليه من المسائل التي أقررتم أنها لا يجوز أن تؤخذ قياسا ، فإن لم تفعلوا فقد تركتم القياس ، وإن فعلتم تركتم القياس ، ولسنا نقول إن هذا العمل صحيح عندنا ولكن صحيح على أصولكم ولا أبطل من قول نقض بعضه بعضا .
الاحكام — صفحة 1053 | ابن حزم