الضلال المبين ، فإذا رأوا سكرانا معربدا متلوثا في أقذاره وأهذاره ، جعلوا يقولون
في مثل هؤلاء حرمت الخمر نعوذ بالله من هذا القول ، ومما سببه من التعليل الملعون .
واحتجوا بقوله تعالى : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * .
قال أبو محمد : وهذه حجة عليهم لا لهم ، لأننا نحن نظلم من بكرة إلى المساء ، ولم
يحرم علينا طيبات أحلت لنا ، فصح أن الظلم ليس علة في تحريم الطيبات ، ولا سببا
له إلا حيث جعله الله تعالى بالنص سببا له فقط ، لا فيما عدا ذلك المكان البتة .
واحتجوا بقوله تعالى : * ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) * .
قال أبو محمد : وهذا عليهم لان الحكم المذكور لم يوجب استيقان جميع أهل
الكتاب ، بل فيهم غير مستيقن ، وفيهم من تمادى على شكه وإفكه وشركه ، ولو كان
علة لاستيقانهم لما وجد فيهم أحد غير مستيقن ، فبطل ظنهم والحمد لله رب العالمين .
واحتجوا بقوله تعالى لموسى عليه السلام : * ( اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ) * .
قال أبو محمد : وهذا حجة عليهم لان الكون بالواد المقدس طوى لو كان علة
لخلع النعال أو سببا له ، لوجب علينا خلع نعالنا بالوادي المقدس وبالحرم
وبطوى ، فلما لم يلزم ذلك بلا خوف صح قولنا : إن الشئ إذا جعله الله سببا
لحكم ما ، في مكان ما ، فلا يكون سببا إلا فيه وحده لا في غيره ،
فهذا كل ما راموا تبديله من وجهه من آيات القرآن ، وقد أريناهم بعون الله تعالى ،
أنه كله حجة عليهم مبطل لقولهم بالتعليل الموجب عندهم للقياس ، والحمد لله
رب العالمين واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي
أكثر من ثلاث : إنما فعلت ذلك من أجل الدابة .
قال أبو محمد : أحق الناس أن يستحي من الله تعالى عند ذكر هذا الحديث
فأصحاب القياس القائلون بالعلل لأنهم يبطلون هذا السبب الذي يعدونه علة في
المكان الذي ورد فيه ، ولا يقيسون عليه شيئا أصلا نعم ، ولا يأخذون بذلك
الاحكام — صفحة 1120
مساهمون: ابن حزم
ص١١٢٠