أن الله تعالى أراد فيما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ، من أهل القرى مما لو
يوجف عليه بخيل ولا ركاب خاصة ، ألا يكون دولة بين الأغنياء منهم فلا
يتعدى بهذا الحكم هذا الموضع ، وإلا حيث نص الله تعالى عليه أيضا في قسمة
خمس الغنائم ولا مزيد ، وهذا قولنا لا قولهم في إجراء العلل وبالله تعالى نتأيد
واحتجوا بقوله تعالى : * ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) * .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه لم يكن لاحد على الله تعالى قط حجة
لا قبل الرسل ولا بعدهم ، بل لله الحجة البالغة : * ( لا يسأل عما يفعل وهم
يسئلون ) * وقد أخبر تعالى أنه لم ينذر آباء هم وإن لم ينذروا فلا حجة لهم على
الله عز وجل ، ولكن الله تعالى أراد الاحسان إلى من آمن من المنذرين بالرسل ،
وأراد الاعذار إلى من لم يؤمن منهم ، فهذا غرض الله عز وجل فيهم ومراده ،
وليس هذا علة وسنبين بعد انقضاء ذكر حجاجهم إن شاء الله تعالى فرق ما بين
العلة والسبب والغرض ، ببيان جلي لا يحيل على من له أدنى فهم وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( كذلك جزيناهم ببغيهم ) * .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه بل هي حجة عليهم لأنه تعالى نص على
أنه جزى أولئك ببغيهم بأنواع العذاب المعجل في الدنيا من السخف والصيحة
وعذاب الظلة والرجم وغير ذلك . فلو كان البغي علة في إيجاب الجزاء بذلك
لكان ذلك واجبا أن يجزى به البغاة منا ومن غيرنا فلما رأينا كفار زماننا بغاة
كأولئك ، وفينا نحن أيضا أهل بغي كبغي أولئك نفسه ففينا تطفيف الميزان .
وفينا فعل قوم لوط ، وفينا الكفر الصريح كما كان في أولئك في المؤمنين منا
وفي الكافرين من الحربيين والكتابيين ولم نجاز ولا جوزوا بشئ بما جوزي
به أولئك - علمنا أن البغي ليس علة للجزاء بما جوزي به أولئك ، لان العلة
مطردة في معلوماتها أبدا ، لا تجوز أصلا ، وصح أن البغي من أولئك كان
سببا لجزائهم بما جوزوا به ، وليس سببا في غيرهم ، لان يجازوا بمثل ذلك ،
فصح قولنا إن الأسباب لا يتعدى بها المواضع التي نص الله تعالى ورسوله عليه
السلام عليها ، ولا يوجب في كل مكان الحكم الذي وجب من أجلها في بعض
الاحكام — صفحة 1117
مساهمون: ابن حزم
ص١١١٧