الحكم بعينه ، بل يعصونه ويجيزونه ادخار لحوم الأضاحي ما شاء المرء من الدهور ،
وإن دفت الدواف أفلا يستحي من يبطل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه إذا
دفت دافة أن يدخر لحوم الأضاحي ، أكثر من ثلاث ويستجيز خلافه في ذلك ،
من أن يحتج بذلك القول المطرح عنده في إثبات العلل الكاذبة لو أن
الجوز باللوز إلى أجل لا يحل ؟ إن هذا لخلق فاسد ، منتج من رذائل جمة منها
الجهل وقلة الحياء وقلة الورع وشدة العصبية ، وقلة المبالاة بالصدق ، وشدة الجور
وقلة النصيحة والضعف والعقل ، ونعوذ بالله من كل ذلك .
وأما نحن فنقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السبب في النهي عن ادخار لحوم
الأضاحي أكثر من ثلاث ليال أن دافة دفت بحضرة الأضحى ، فإذا كان ذلك
أبد الأبد حرم ادخار لحومها أكثر من ثلاث ليال ، فإن لم تدف دافة بحضرة
الأضحى فليدخل الناس لحومها ما شاؤوا ، وانقيادا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم
يأت ما ينسخه ، وهذا الذي قلنا به هو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ،
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الاذان من أجل البصر .
قال أبو محمد : وهذا موافق لقولنا لا لقولهم ، لأننا لم ننكر وجود النص حاكما
بأحكام ما لأسباب منصوصة ، لكنا أنكرنا تعدي تلك الحدود إلى غيرها ، ووضع
تلك الأحكام في غير ما نصت فيه ، واخترع أسباب لم يأذن بها الله تعالى .
وأيضا فهذا الحديث حجة عليهم ، لأنهم أول عاص له أكثر أهل القياس ،
مخالفون لما في هذا الحديث ، من أن من اطلع على آخر ففقأ المطلع عليه عين
المطلع فلا شئ عليه .
وقالوا : إن قول المظاهر لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، لما كان منكرا
من القول وزورا كان ذلك علة لوجوب الكفارة .
قال أبو محمد : وقد أبطلوا تعليلهم هذا فكفوا مؤنة أنفسهم ، فأقروا أن قول
المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي ، منكر من القول وزورا ، ولم يوجب ذلك
عليها الكفارة ، وقال تعالى : * ( ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم
وما جعل أدعياءكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق ) * فسوى
الله تعالى بين قول الرجل لامرأته ، أنت علي كظهر أمي ، وبين ادعائه ولد
الاحكام — صفحة 1121
مساهمون: ابن حزم
ص١١٢١