أهي فساد في الأرض أم ليست فسادا في الأرض إلا ما سمي فسادا في الأرض
وليس هذا واقعا إلا على المحاربة فقط ؟ ولا بد من أحد الجوابين .
فإن قالوا : الكبائر كلها فساد في الأرض ، أريناهم شارب الخمر والسارق ،
والمرابي وآكل أموال اليتامى ، والزاني غير المحصن ، وآكل لحم الخنزير والدم والميتة ،
والغاصب والقاذف ، مفسدين في الأرض ولا يحل قتلهم ، بل من قتلهم قتل
بهم قودا ، فقد نقضوا قولهم إن حكم الآية المذكورة جار علينا ، لان في نص
تلك الآية إباحة قتل كل مفسد في الأرض .
فإن قالوا : ليس شئ من الكبائر فسادا في الأرض حاشا المحاربة . أريناهم
الزاني المحصن يقتل ، وليس مفسدا في الأرض ، فانتفضت العلة التي ادعوها علة
لان في الآية المذكورة ألا تقتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض ، الزاني
المحصن لم يقتل نفسا ، ولا أفسد في الأرض ، وهو يقتل ولا بد ، ولا يكون قاتله
كأنه قتل الناس جميعا .
فإن قالوا : إن زنى المحصن وحده ووطئ امرأة الأب ، وردة المرتد ، وشرب
المحدود ثلاث مرات في الخمر مرة رابعة ، فساد في الأرض وما عدا هذا
فليس فسادا في الأرض كابروا وتحكموا بلا دليل ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم
الزاني وهو شيخ أو بامرأة جاره أو بامرأة المجاهد في سبيل الله أعظم جرما من
سائر الزناة ، وسواء كانوا محصنين أو غير محصنين ، إلا أن غير المحصن على كل
حال لا يقتل وإن كان أعظم جرما من المحصن في بعض الأحوال التي ذكرنا ،
والمحصن على كل حال يقتل ، وإن كان غير المحصن أعظم جرما منه في بعض
الأحوال التي ذكرنا .
وأيضا : فإن هذا القول الذي قالوه ناقض لأصولهم في العلل ، وموجب أن
لا يكون الشئ علة إلا حيث نص الله عز وجل على أنه علة لأنهم يقولون إن
الكبيرة لا تكون فسادا إلا حيث نص على أنها فساد ، وحيث أمر الله تعالى
بقتل فاعلها ، وبطل إجراؤهم العلة حيث وجدت ، وهذا قولنا نفسه حاشا التسمية بعلة
أو سبب ، فإنا لا نطلقه ، لان النص لم يأت به ، وإذ ليس بيننا إلا التسمية فقط
فقد ارتفع الخلاف إذ إنما تضايق في تصحيح المعنى المسمى أو إبطاله ، ولا معنى
الاحكام — صفحة 1115
مساهمون: ابن حزم
ص١١١٥