فصل
في ذكر طرق يسير من تناقض أصحاب القياس في القياس ، يدل
على فساد مذهبهم في ذلك إن شاء الله تعالى
قال أبو محمد علي بن أحمد رضي الله عنه : أكثرهم لم يقس الماء الوارد على
النجاسة على الماء الذي ترد عليه النجاسة ، وفرقوا بينهما بغير دليل .
وبعضهم لم يقس وجوب إراقة ما ولغ فيه الكلب على وجوب غسل الإناء
من ولوغ الكلب فيما ولغ فيه ، ولم يقيسوا الماء في ذلك على غير الماء .
وأكثرهم فرق بين الماء الذي تقع فيه النجاسة ، وبين المائعات التي تقع فيها
النجاسات ، فيجدوا مقدارا إذا بلغه الماء لم ينجس ، ولم يجدوا في سائر المائعات شيئا
البتة وإن كثرا . وبعضهم قاس سائر المائعات في ذلك على الماء في حد المقدار وهو
أبو ثور . وبعضهم فرق بين حكم الماء في البئر ، وبين الماء في غير البئر ، ولم يقس
أحدهما على الآخر اتباعا ، زعم ، لقول بعض العلماء في ذلك . وهو قد عصى
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة من الفقهاء ، في المصراة والمسح على العمامة ، وفي
أزيد من ألف قضية ، نعم وحكم القرآن ، وفرق أيضا بين أحكام الجيف الواقعة
في التيار ، وبين أحكامها وأحكام سائر النجاسات ولم يقس بعضها على بعض .
وبعضهم قاس الخنزير على الكلب في حكم الغسل مما ولغ فيه كلاهما في
الواحد أو السبع ، وبعضهم لم يقس أحدهما على الآخر ، وبعضهم قاس الماء
بحكم الوالغ فيه مما يحرم أكله أو يحل أو يكره ، وبعضهم لم يقس ذلك ، وبعضهم
قاس ما لا دم له من الميتات على ماله دم . فرأى كل ذلك ينجس ما مات فيه ،
وبعضهم لم ير ذلك وبعضهم قاس العقارب والخنافس والدود المتولد في القول
على الذباب ، ولم يقسها على الوزغ وشحمة الأرض والعظماء وصغار الفيران .
وبعضهم قاس عذر ما يؤكل لحمه من الدواب وأبوالها على لحومها ، ولم
يقسها على دمائها ، ولم يقسها على لحومها .
وبعضهم قاس ذنب الكلب ورجله على لسانه ، وبعضهم لم يقس ذلك .
وأكثرهم قاس إباحة المسح على الجبائر على المسح على الخفين ، ولم يقيسوا
الاحكام — صفحة 1086
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٨٦