فقد صار الظن أنه خبر واحد عندهم أقوى من القياس الذي هو عندهم أقوى
من يقين أنه خبر واحد ، فقد صار الظن أقوى من اليقين وفي هذا عجب
عجيب ونعوذ بالله من الخذلان .
وأما الحقيقة فإن الظن باطل . بنص حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أكذب الحديث ،
وبنص قول الله تعالى : * ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * فالظن بنص القرآن
ليس حقا ، فإذ ليس حقا فهو باطل ، فإذا كان الظن الذي هو الباطل أقوى
من القياس ، فالقياس بحكمهم أبطل من كل باطل . وبالله تعالى التوفيق .
وجملة القول : أن قولهم : إن خبر الواحد يدخله السهو والغلط ، والكذب ،
إنما هو من اعتراضات من لا يقول بخبر الواحد من المعتزلة . والخوارج
وقد مضى الكلام في إيجاب خبر الواحد العدل ، وقد وجب قبوله بالبرهان ،
فاعتراض المعترض بأنه قد يدخله السهو ، وتعمد الكذب اعتراض بالظن ،
وبعض الظن إثم والظن أكذب الحديث .
وقولهم : إن القياس يدخله خوف خطأ التشبيه إقرار منهم بأنهم لا يثقون
بجملته ، وهذا هو الحكم بالظن ، وهو محرم بنص القرآن ويسألون عن إنسان
مشهور بالباطل ، معروف بادعائه قد كثر ذلك منه وفشا فتقدم إلى قاضي يخاصم
عنده ؟ . فإن الأمة كلها مجمعة عن ألا يقاس أمره الآن على ما عهد منه ، فإذا خرم
أن يقاس حكم المرء اليوم على حكمه بنفس أمس ، فهو أبعد من أن تقاس على غيره
وهذا هدم من القياس للقياس ، وتفاسد منه بعضه لبعض ، وما كان هكذا فهو فاسد
كله ، وبالله تعالى التوفيق . وقال قائل منهم : هل يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس ؟ .
قال أبو محمد : فالجواب إن كان جائزا قبل نزول قول الله تعالى : * ( وما جعل
عليكم في الدين من حرج ) * وقوله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * وكان
يكون ذلك لو كان حمل إصر كما حمله على الذين من قبلنا ، وتحميلا لما لا طاقة
لنا به ، وكما قال تعالى : * ( ولو شاء الله لأعنتكم ) * وأما بعد نزول الآيتين اللتين
ذكرنا ، وبعد أن أمننا الله تعالى من أن يكلفنا الحكم بالتكهن وبالظنون ، وبعد
أن نهانا عن أن نقول عليه تعالى ما لم نعلم ، فلا يجوز البتة أن يتعبدنا بالقياس ،
لان وعد الله تعالى حق لا يخلف البتة ، وقوله الحق . وبالله تعالى التوفيق .
الاحكام — صفحة 1085
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٨٥