وكلا الحديثين صحيح وكلاهما مختلف فيه مع صحته ، فإن عللوا أحدهما بأنه اختلف
فيه الرواة فالآخر كذلك ولا فرق وأما حديث الحنفيين فيما تقطع فيه اليد
فساقط جدا .
وقد قال بعضهم : إذا سألناهم عن معارضة قياسهم بقياس آخر ، وتعليلهم
بتعليل آخر ، فما الذي جعل أحد القياسين أولى من الآخر ؟ أو أحد التعليلين
أولى من الآخر ؟ ولا سبيل إلى وجود قياس لهم أو تعليل لهم تتعذر معارضتهما
بقياس آخر أو تعليل آخر كما وصفنا فقال هذا القائل : العمل حينئذ في هذا
كالعمل في الحديثين المتعارضين .
قال أبو محمد : فقلنا هذا باطل لان النصين أو الحديثين المتعارضين لا بد من
جمعهما واستعمالهما معا ، لان كليهما حق وواجب الطاعة إذا صحا من طريق السند ،
ولا يمكن هذا في القياسين المتعارضين ، ولا في التعليلين المتعارضين بوجه من
الوجوه ، فإن تعذر هذا في الحديثين أو الآيتين أو الآية والحديث فالواجب الاخذ
بالناسخ أو بالزائد إن لم يأت تاريخ يبين الناسخ منهما ، لان الوارد بالزيادة شريعة
من الله تعالى ، لا يحل تركها ، وليس يمكن هذا في القياسين المتعارضين ، ولا في
التعليلين المتعارضين بوجه من الوجوه ، لأنه ليس فيهما نسخ أصلا . ولا يوجد
في القياسين زيادة من أحدهما على الآخر في أكثر الامر ، لان التعارض فيهما
إنما هو يتعلق أحد القياسين بصفة ، ويتعلق آخر إلا بأخرى ، فبطل تمويه هذا
القائل ، وبقي الالزام يحسبه لا مخلص منه البتة . وبالله تعالى التوفيق .
وقد زاد بعض مقدميهم ، ممن لم يتق الله عز وجل ، ولا أبالي الفضيحة في
كلامه ، فقال : إن القياس أقوى من خبر الواحد ورأيت هذا لأبي الفرج
المالكي ، والمعروف بالأبهري واحتجا في ذلك بأن الخبر الواحد يدخله السهو
وتعمد الكذب ، وأما القياس فلا يدخله إلا خوف الخطأ في التشبيه فقط قالا :
فما يدخله عيب واحد أولى مما يدخله عيبان .
قال أبو محمد : وما يعلم في البدع أشنع من هذا القول ثم هو مع شناعته
بارد سخيف متناقض .
الاحكام — صفحة 1083
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٨٣