ويقال لهذا الجاهل المقدم : أخبرنا عنك أتقيس على خبر الواحد أم لا ؟
فإن قال : لا ، كذب وأفصح ، وأريناهم خزيهم في قياسهم صداق النكاح على القطع
في عشرة دراهم وهو خبر واهي ساقط ، والآخرون منهم قاسوا على خبر في ذلك ،
وإن كان صحيح السند فهو خبر واحد ، وأريناهم قولهم في تقويم المتلفات بالقيمة
لا بالمثل على الخبر في عتق الشقص ، ومدة الخيار في البيع على حديث المصراة ،
والاستطهار في المستحاضة على حديث المصراة ، وهذا أكثر قياساتهم .
وإن قال : أقيس على خبر الواحد فضح نفسه وأبان عن جهله ، وقلة ورعه
في إقراره بأنه يقيس على ما هو أضعف من القياس وفي هذا غاية الجنون والتناقض ،
وهم يقولون إن الأصل أقوى من الفرع ، والمقيس عندهم فرع ، والمقيس
عليه أصل ، هذا ما لا يختلفون فيه ، فإذا كان خبر الواحد هو المقيس عليه
عندهم فهو الأصل ، والقياس هو الفرع ، فعلى قول هذين المذكورين إذا كان
القياس أقوى من خبر الواحد فالفرع أقوى من الأصل وقد قالوا : إن الأصل
أقوى من الفرع ، وهذا تناقض فاحش وبناء وهدم ونعوذ بالله من الخذلان .
وأيضا فإنهم يتركون في أكثر أقوالهم ظاهر القرآن بخبر الواحد ، ثم يتركون
خبر الواحد للقياس ، فقد حصل من كلامهم وعملهم أنهم غلبوا القياس على
الحديث ، وغلبوا الحديث على القرآن فقد صار القياس على هذا أقوى من القرآن
ولا قياس البتة إلا على قرآن أو حديث وهذا كله تخليط ، وسخنة عين وغباوة
جهل وإقدام واستحلال لما لا يحل ولا يخفى على ذي بصر ، وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا : فهم كثيرا ما يقولون ، فيما يرد عليهم من أقوال موقوفة على بعض
الصحابة مما يوافق مما قلدوا فيه مالكا وأبا حنيفة ، مثل هذا لا يقال بالقياس
فيغلبونه على ما يوجبه القياس عندهم كقولهم فيمن باع شيئا إلى أجل ، ثم ابتاعه
بأقل إلى أقل من ذلك الاجل ، وفي البناء في الصلاة على الرعاف والحدث ، وفي
مواضع كثيرة جمة ، وهذا ترك منهم للقياس وتغليب للظن أنه خبر واحد على القياس ،
لأنهم لا يقطعون على أن هذه الأقوال توقيف ، وإنما يظنون ذلك ظنا ،
الاحكام — صفحة 1084
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٨٤