وقال تعالى : * ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) * فنص تعالى
على ألا تضرب له الأمثال ، وهذا نص جلي على إبطال القياس وتحريمه ، لان
القياس ضرب أمثال للقرآن ، وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه النص ، ومن مثل ما لم ينص
الله تعالى على تحريمه أو إيجابه بما حرمه الله تعالى وأوجبه ، فقد ضرب له الأمثال ،
وواقع المعصية ، نعوذ بالله من ذلك ، ونص تعالى على أنه يعلم ونحن لا نعلم ، فلو علم
تعالى أن الذي لم ينص عليه مثل الذي نص عليه لأعلمنا بذلك وما أغفله وما ضيعه ،
قال تعالى : * ( وما كان ربك نسيا ) * وقال تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان
قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * فصح أن العربية بها أرسل
الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فبهذا بين لنا ، وقال تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي
يوحى ) * فكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله تعالى بينه ، وقد علمنا يقينا وقوع كل
اسم في اللغة على مسماه فيها وأن البر لا يسمى تبنا ، وأن الملح لا يسمى زبيبا ، وأن التمر
لا يسمى أرزا ، وأن الشعير لا يسمى بلوطا ، ولا الواطئ آكلا ، ولا الآكل واطئا ،
ولا القاتل مظاهرا ، ولا المظاهر قاتلا ، ولا المعرض قاذفا .
فإذ قد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره ، ولم يبعث محمدا
صلى الله عليه وسلم بالعربية التي ندريها . فقد علمنا يقينا أنه صلى الله عليه وسلم إذا نص
في القرآن أو كلامه على اسم ما بحكم ما ، فواجب ألا يوقع ذلك الحكم
إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم فقط ، ولا نتعدى به الموضع الذي وضعه رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وألا يخرج عن ذلك الحكم شئ مما يقتضيه الاسم ويقع عليه
فالزيادة على ذلك في الدين وهو القياس ، والنقص منه نقص من الدين ،
وهو التخصيص ، وكل ذلك حرام بالنصوص التي ذكرنا ، فسبحان من خص
أصحاب القياس بكلا الامرين فمرة يزيدون إلى النص ما ليس فيه ، ويقولون
هذا قياس ، ومرة يخرجون من النص بعض ما يقتضيه ويقولون : هذا
خصوص ، ومرة يتركونه كله ويقولون : ليس عليه العمل ، والعبرة معترضة عليه
كما فعل الحنفيون في حديث المصراة والاقراع بين الأعبد ، وكما فعل المالكيون
في حديث تمام الصوم لمن أكل ناسيا ، وحديث الحج على المريض البائس والميت
الاحكام — صفحة 1064
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٦٤