حرمه ، لان الله تعالى حرم وأوجب وأحل ، وكل ذلك تعد لحدود الله تعالى .
وموهوا أيضا بأن قالوا : لو كان العلم كله جلي لاستوى العالم والجاهل في
البيان ، ولو كان العلم كله خفيا لاستوى العالم والجاهل في الجهل به ، فصح أن
بعضه جلي وبعضه خفي ، فوجب أن يقاس الخفي على الجلي .
قال أبو محمد : وهذا كلام في غاية الفساد ، لأنه إذا كان بعضه جليا وبعضه
خفيا ، فالواجب على أصلهم هذا الفاسد أن يستوي العالم والجاهل في تبين
الجلي منه ، وأن يستوي الجاهل والعالم في خفاء الخفي منه عليهما أيضا ، فبطل
العلم على أصلهم الخبيث الظاهر الفساد .
وأما نحن فنقول إن العلم كله جلي بين ، نعني علم الديانة ، قال تعالى : * ( تبيانا
لكل شئ ) * وقال تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد بين للناس ما نزل إليه ، ومن قال غير هذا فهو كافر بإجماع الأمة فإذا قد صح
أنه عليه السلام قد بين ما نزل إليه والمبين بين ، والحمد لله رب العالمين ، لمن يعلم
اللغة التي بها خوطبنا . وإنما خفي ما خفي من علم الشريعة على من خفي عليه ،
لاعراضه عنه وتركه النظر فيه وإقباله على وجود الباطل ، التي ليست طريقة إلى
فهم الشريعة ، أو لنظره في ذلك بفهم كليل ، إما لشغل بال أو مرض أو غفلة ،
ولو لم يكن علم الدين جليا كله ما أمكن الجهل فهم شئ منه أبدا ، نعني مما يدعون
أنه خفي ، فلما صح أن العالم ممكن له إقامة البرهان وإيضاح ما خفي على الجاهل حتى
يفهمه ويتبين له ، صح أن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة ، والحمد لله رب العالمين .
وموهوا أيضا بما روي من قول نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثناه عن
عبد الله بن ربيعة التميمي ، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ، ثنا ابن الأعرابي ، ثنا
سليمان بن الأشعري ، ثنا حفص بن عمر العوضي ، عن شعبة ، عن أبي عون ، عن الحارث
ابن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ ،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال : كيف تقضي
إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بكتاب الله عز وجل ، قال : فإن لم تجد
في كتاب الله عز وجل ؟ قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في
سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ قال : اجتهد رأيي ولو آلو : قال : فضرب
الاحكام — صفحة 975
مساهمون: ابن حزم
ص٩٧٥