رجوعها إلى الزوج المطلق ثلاثا ، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعل الحكم الرافع
للتحريم ذوق العسيلة في النكاح الصحيح ، فإذا ارتفع بذلك التحريم فقد صارت
كسائر النساء ، فإذا خلت من ذلك الزوج بفسخ أو وفاة أو طلاق كان لها أن تنكح
من شاءت من غير ذوي محارمها ، ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذوق العسيلة طلاقا
من فسخ من وفاة ، وأيقنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يبحها للزوج الأول ، وهي بعد في
عصمة الزوج الثاني ، ولا خلاف بين أحد في ذلك .
وأما طلاق الذمي وسائر الكفار ، فليس طلاقا ، لان كل ما فعل الكافر ، وقال غير
اللفظ بالاسلام ، فهو باطل مردود إلا ما أوجب إنفاذه النص أو الاجماع المتيقن
المنقول ، أو أباحه له النص أو الاجماع ، كذلك فإذا لفظ بالطلاق فهو لغو لأنه لا نص
ولا إجماع في جواز طلاقه ، فليس مطلقا وهو بعد في عصمته ، لصحة نكاحهم بالنص
من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للكفار ، لما أسلموا مع نسائهم ، على نكاحهم معهن ، ولأنه صلى الله عليه وسلم
من ذلك النكاح خلق ، وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم مخلوق من أصح نكاح ، ولا يحل لمسلم
أن يمر بباله غير هذا ، ولم يمنع تعالى في الآية من إباحة رجعتها بعد وفاة الزوج ، أو
فسخ نكاحه ، وإنما ذكر تعالى الطلاق ، فقط ، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجمال لفظه
الطلاق وغيره ، وقد كان يلزم من قال بذلك الخطاب منهم ألا يبيحها إلا بعد
الطلاق لا بعد الفسخ والوفاة ، فهذه الآية حجة عليهم لا لهم ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل
أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) * قالوا : فقستم الكافرات في ذلك
على المؤمنات .
قال أبو محمد : وهذا خطأ ، وقد بينا ، في باب مفرد من كتابنا هذا ، لزوم
شريعة الاسلام لكل كافر ومؤمن مستويا بقوله تعالى : * ( وأن احكم بينهم
بما أنزل الله ) * فهذا لازم في كل حكم ، حاشا ما فرق النص والاجماع المتيقن فيه
بين أحكامنا وأحكامهم ، وما كان كرامة لنا ، فإنه ليس لهم فيه حظ لقول الله تعالى :
* ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) * والصغار لا يجتمع مع الكرامة أصلا .
وأيضا فالأمة كلها مجمعة على أن حكم العدة في الطلاق وسقوطها على الذمية
الاحكام — صفحة 945
مساهمون: ابن حزم
ص٩٤٥