ونحن نسألهم من كلامهم فنقول لهم : ما الفرق بينكم إذ قالت طائفة منكم : إن
ذكر السائمة يدل على أن غير السائمة بخلاف السائمة ، وقالت طائفة أخرى ،
بل ذكر السائمة إلا على أن غير السائمة موافق لحكم السائمة ؟ ما الفرق
بينكم وبين من عكس عليكم قولكم إن قول الله تعالى : * ( ومن أهل الكتاب من إن
تأمنه بقنطار يؤده إليك ) * . . . إن ذكر القنطار يدل على أن ما عدا القنطار مثل
القنطار ، فقال : بل ما يدل ذكر القنطار إلا على أن ما عدا القنطار بخلاف القنطار
فقد يفزع الخائن من خيانته إذا كانت كثيرة ، وقد يحتقر اليسير فلا يخونه ، فهلا
جعلتم القنطار ههنا حدا للكثير كما جعلت طوائف منكم ذكره صلى الله عليه وسلم المائتي
درهم في وجوب الزكاة فيها دليلا على أن العشرين دينارا كثير ، فلا يحلف عند
المنبر أحد في أقل منها ، وأن ما دونها قليل فلا يحلف فيها إلا في مجلس الحاكم ؟
وجعلت طوائف أخر منكم ذكره صلى الله عليه وسلم ربع الدينار في قطع السارق دليلا
على أن ربع الدينار كثير وأن ما عداه قليل ، فلا يستباح فرج بأقل منه ، ولا
يحلف عند المنبر في أقل منه ، وجعلت طوائف أخر ما رووا من ذكره صلى الله عليه وسلم
عشرة دراهم في قطع السارق دليلا على أن العشرة دراهم كثيرة ، وإن ما دونها
قليل ، فلا يستباح فرج بأقل منها ، حتى جعلوا ذلك حدا فيما يسقط مما بين
قيمة العبد ودية الحر .
قال أبو محمد : ومما ادعوا فيه أنهم فهموا منه أن المسكوت عنه بخلاف حكم
المنصوص عليه قوله تعالى : * ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن
حملهن ) * قالوا : فهذا يدل على أن غير الحامل بخلاف الحامل .
قال أبو محمد : هذا خطأ ، لان المطلقة لا تخلو من أن يكون طلاقها رجعيا
أو غير رجعي ، فإن كان رجعيا فلها النفقة إذا كانت ممسوسة ، كانت حاملا أو كانت
غير حامل ، باتفاق من جميعنا ، وإن كان غير رجعي ، فلا نفقة لها بنص السنة سواء
كانت حاملا أو غير حامل ، وإنما جاء النص المذكور في الطلاق الرجعي وبنص
الآيات في قوله تعالى في الآية التي ابتدأ فيها في هذه السورة بتعليم الطلاق . ثم
عطف سائر الآيات عليها : * ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن
بمعروف ) * وهذا لا يكون إلا في رجعي ، وأمسك تعالى عن ذكر غير الحامل في
الاحكام — صفحة 889
مساهمون: ابن حزم
ص٨٨٩