فصل
قال أبو محمد : والمفهوم من الخطاب هو أن التأكيد إذا ورد فإنه رفع للشغب
وحسم لظن من ظن أن الكلام ليس على عمومه ، وقد ضل قوم في قوله تعالى :
* ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * فقالوا : إن حملة العرش ومن غاب عن ذلك
المشهد لم يسجد .
قال أبو محمد : ويكفي من إبطال هذا الجنون قوله تعالى : * ( ما أشهدتهم خلق
السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) * فليت شعري من أين استحلوا أن يقولوا
إن أحدا من الملائكة لم يسجد مع قوله تعالى : * ( كلهم أجمعون إلا إبليس ) * ومثل
هذا من الاقدام يسئ الظن بمعتقد قائله ، إذ ليس فيه إلا رد قول الله تعالى بالميت .
وقد رام بعض الشافعيين أن يجعل قول الله تعالى : * ( من استطاع إليه سبيلا ) * بعد
قوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت ) * من استطاع إليه على معنى أن ذلك ليس
بيانا للذين ألزموا الحج ، ولا على أنه موافق لقوله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها ) * وقال : إن هذا خطاب فائدة أخرى ، موجب أن الاستطاعة من غير قوة .
قال أبو محمد : ولسنا نأبى أن تكون الاستطاعة أيضا شيئا غير القوة للجسم ،
لكنا نقول : إن الاستطاعة كل ما كان سببا إلى تأدية الحج ، من زاد وراحلة
أو قوة جسم ، ولا نقول كما قال المالكيون : إن الاستطاعة هي قوة الجسم
فقط ، وإن من عدمها وقدر على زاد وراحلة فهو غير مستطيع ، ولا كما قال
الشافعيون : إنما الاستطاعة إنما هي الزاد والراحلة فقط ، وأن قوة الجسم ليست
استطاعة ، بل نقول : إن قوة الجسم دون الراحلة استطاعة ، وإن الزاد والراحلة
وإن كان واجدهما مقعد الرجلين مبطل اليدين أعمى ، أنه مستطيع بماله ، حملا
للآية على عمومها مع شهادة قول الله تعالى وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لصحة قولنا يعني
حديث الخثعمية ، وقوله تعالى : * ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) * .
قال أبو محمد : وقد ذكرنا فيما خلا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن شئ
فأجاب ، أن ذلك الجواب محمول على عموم لفظه لا على ما سئل عنه عليه
السلام فقط ، لأنه عليه السلام إنما بعث معلما ، فلا فرق بين ابتدائه بأمر