ذلك فواجب على هذه المقدمة الفاسدة التي قدموا ، إذا كانت عين ما مما
في العالم حراما ، إما أن يكون ما في العالم أوله عن آخره حراما ، قياسا عليه ،
لأنه يشبهه ولا بد في بعض الوجوه ، إن تمادوا على هذا سخطوا وكفروا ،
وإن أبوا منه تركوا مذهبهم الفاسد في قياس الحكم فيما لم ينص عليه من
الأنواع على ما نص عليه منها .
ثم نلزمهم إلزاما آخر وهو : أننا نجد أيضا شيئا آخر حلالا فيلزم أن يكون
كل ما في العالم حلالا ، قياسا على هذا ، لأنه أيضا يشبهه من بعض الوجوه ،
وهذا إن قالوه ، حمقوا وخرجوا عن الاسلام ، وإن أبوا منه ، تركوا مذهبهم
الفاسد ، في قياس الحكم فيما لم ينص عليه من الأنواع على ما نص عليه منها .
ثم تجمع عليهم هذين الالزامين معا ، فيلزمهم أن يجعلوا الأشياء كلها حراما
حلالا معا ، قياسا على ما حرم وما حلل ، وهذا تخليط ، ولا شك في فساد كل
قول أدى إلى مثل هذا السخف ، فإذ لا شك في بطلان هذا الهذيان ، فالواجب
ضرورة أن يحكم بالتحريم فيما جاء فيه النص بالتحريم ، وأن يحكم بالتحليل فيما جاء
فيه النص بالتحليل ، وأن يحكم بالايجاب فيما جاء فيه النص بالايجاب ولا يتعدى
حدود الله تعالى ، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا : إن النص لا تستوعب كل شئ .
قال أبو محمد : وهذا قول يؤول إلى الكفر ، لأنه قول بأن الله تعالى لم يكمل لنا
ديننا ، وأنه أهم أشياء من الشريعة ، تعالى الله عن هذا ، والله تعالى أصدق منهم
حيث يقول : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * و : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ،
و : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فبطل قولهم بالقياس ، والحمد لله رب العالمين .
وما نعلم في الأرض ، بدع السوفسطائية ، أشد إبطالا لاحكام العقول من
أصحاب القياس ، فإنهم يدعون على العقل ما لا يعرفه العقل ، من أن الشئ إذا
حرم في الشريعة وجب أن يحرم من أجله شئ آخر ، ليس من نوعه ولا نص
الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم على تحريمه ، وهذا ما لا يعرفه العقل ولا أوجب
العقل قط تحريم شئ ولا إيجابه ، إلا بعد ورود النص ، ولا خلاف في شئ
من العقول ، أنه لا فرق بين الكبش والخنزير . ولولا أن الله حرم هذا وأحل
هذا ، فهم يبطلون حجج العقول جهارا ، ويضادون حكم العقل صراحا ، ثم
الاحكام — صفحة 1039
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٣٩